بل الْمُرَاد نفيهما على أبلغ الوجوه كقوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا)
غير أن لَوْ ثم مشعرة بانتفاء الطرفين، وإن هاهنا لا تشعر به ولا بنقيضه
فإنها لمجرد الشريطة بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللازم الدال على انتفاء ملزومه) ولا يلزم
من ذلك الْجَوَاب سؤال مقدر منشأ السؤال كلمة (إنْ) لأنه مستعمل فيما لا قطع بوجود
الشرط وعدمه بخلاف كلمة لو فإنها مختصة بفرض المحال فيوهم صحة كينونة الولد
وجواز الْعبَادَة فأجاب بأن المحال يستلزم المحال فمنع كون إن مستعملًا في الْمَذْكُور عَلَى
الإطلاق وأنه قد تستعمل بمعنى لو لغرض قد فعل في علم الْمَعَاني فأشار إليه بقوله؛ إذ
المحال الخ. ثم أكد الإشَارَة بقوله كقَوْله تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فيهمَا آلهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)
كقَوْله تَعَالَى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) الآية. وحاصله أن
المحال هنا ينزل منزلة ما لا قطع بعدمه عَلَى سبيل المساهلة وإرخاء العنان لأجل التبكيت
فمن هذا يصح اسْتعْمَال أن فيه ومنه قَوْلُه تَعَالَى:(قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فأنا أول
العابدين)كذا في المطول. وأشار الْمُصَنّف إلَى ذلك بقوله غير أن لو ثمة
مشعرة الخ. إشَارَة إلَى الفرق بين لو كان في الْآيَتَيْن مع أن الْمُرَاد واحد وهو الاستدلال بنفي
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: بل الْمُرَاد نفيهما عَلَى أبلغ الْوُجُوه. وجه كون نفيهما بهذا الطريق أبلغ أن هذا نفي بطَريق
برهاني فمناط صورة قياس استثنائي طويت فيه المقدمة الاستثنائية التي هي لكني لست بعابد له فينتج
نقيض المقدم وهو ليس للرحمن ولد. قال صاحب الكَشَّاف: ونظيره قول العدلي [للمجبر] إن كان الله تعالى
خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. قال
صاحب الانتصاف: لقد اقتحم صاحب الكَشَّاف عظيمًا في تمثيله فيقال له قد ثبت عقلًا وشرعًا أنه
خالق لذلك في الْقُلُوب قال تَعَالَى [لا خالق إلا هو] : (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) (اللَّهُ
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)فليلزمه لفرط أدبه أن يلحد في الله إلحادًا لم يسبق إليه حد. وقيل قوله هذا يضاهي
قول الكفرة(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ)فهلا قال عفا الله عنه إن كان الله عز وجل خالقًا للكفر في الْقُلُوب ومعذبًا عليه
فهو الحاكم، له الملك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال الطيبي: بل يقول إن كان الله خالقًا للكفر فأنا
أول من يستجير به منه ويتبع سنة نبيه مُحَمَّد صلوات الله عليه عَلَى ما رواه أبو دَاوُود والترمذي عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره"اللهم إني أعوذ برضاك"
من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، أعوذ بك منك. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال"نعوذ باللَّه من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء".
قوله: غير أن لو ثمة مشعر بانتفاء الطريق لأن لو موضوعة لانتفاء الثاني بانتفاء الأول ولا
كَذَلكَ كلمة إن وإنها موضوعة للشرط وإن الثاني لازم للمقدم لا دلالة وضعًا عَلَى انتفاء الطرفين
وثبوتهما بل انتفاء اللازم هنا مُسْتَفَاد من طريق الفَائدَة لا من دلالة الحرف فاستفيد من انتفاء
اللازم انتفاء الملزوم بدلالة العقل لأن انتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم. قَالَ صاحب الكواشي:
وهذا غاية التوحيد والطاعة لأنه قد ثبت أن لا ولد له تَعَالَى فانتفت عبادته لانتفائه، وفيه إيماء إلَى
الإنصاف في الجدال.