ولقد كان عجيباً وما يزال أن يعني الله سبحانه في عظمته وفي علوه وفي غناه بهذا الفريق من البشر ، فينزل لهم كتاباً بلسانهم ، يحدثهم بما في نفوسهم ، ويكشف لهم عن دخائل حياتهم ، ويبين لهم طريق الهدى ، ويقص عليهم قصص الأولين ، ويذكرهم بسنة الله في الغابرين.. ثم هم بعد ذلك يهملون ويعرضون!
وإنه لتهديد مخيف أن يلوح لهم بعد ذلك بالإهمال من حسابه ورعايته ، جزاء إسرافهم القبيح!
وإلى جانب هذا التهديد يذكرهم بسنة الله في المكذبين ، بعد إرسال النبيين:
{وكم أرسلنا من نبي في الأولين ، وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون. فأهلكنا أشد منهم بطشاً ، ومضى مثل الأولين} ..
فماذا ينتظرون هم وقد أهلك الله من هم أشد منهم بطشاً ، حينما وقفوا يستهزئون بالرسل كما يستهزئون؟
والعجيب كان في أمر القوم أنهم كانوا يعترفون بوجود الله ، وخلقه للسماوات والأرض. ثم لا يرتبون على هذا الاعتراف نتائجه الطبيعية من توحيد الله ، وإخلاص التوجه إليه فكانوا يجعلون له شركاء ، يخصونهم ببعض ما خلق من الأنعام ؛ كما كانوا يزعمون أن الملائكة بناته ، ويعبدونهم من دونه في صورة أصنام!
والقرآن يعرض اعترافهم ، ويرتب عليه نتائجه ، ويوجههم إلى منطق الفطرة الذي يجانبونه ، وإلى السلوك الواجب تجاه نعمته عليهم فيما خلق لهم من الفلك والأنعام. ثم يناقشهم بمنطقهم في دعواهم عن الملائكة:
ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن: خلقهن العزيز العليم.
الذي جعل لكم الأرض مهداً ، وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون. والذي نزل من السماء ماء بقدر ، فأنشرنا به بلدة ميتاً ، كذلك تخرجون. والذي خلق الأزواج كلها ، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره ، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ، وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا ، وما كنا له مقرنين ؛ وإنا إلى ربنا لمنقلبون..