وقوله: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] يعني: وجبتْ لهم رغم الإنذار والتبصير، والكلمة التي حقَّتْ هي قوله تعالى:
{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] فماذا تنتظرون بعد ذلك؟ والعجيب أننا باختياراتنا الخائبة نساعد القدر ويمهد القدر لقدر.
والكلمة قوْلٌ مفرد لا يؤدي إلا معنىً في ذاته، إنما لا يؤدي معنى إسنادياً، فكلمة السماء مثلاً لا تؤدي معنىً وحدها يحسنُ السكوت عليه، لكن حين تقول: السماء صافية تعطي معنى مفهوماً يحْسن السكوت عليه، قالوا: لكن قد تفيد الكلمة الواحدة، فلو قلت: مَنْ عندك؟ تقول: زيد. فأفادت: زيد عندي. ولولا تقدير كلمة عندي ما أفادتْ, فالكلمة - إذن - لا تؤدي معنىً يحسن السكوت عليه إلا بضميمة غيرها.
وقد بيَّن علماء النحو ذلك حين قسَّموا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف وكل منها تُسمَّى كلمة، والفرق بينها أن الاسم يعطي في ذاته معنىً مستقلاً بالفهم، والفعل يعطي معنىً في ذاته، لكنه مرتبط بزمن أو الزمن جزء منه، تقول: أكل أي في الماضي. يأكل في المضارع. وكُلْ في المستقبل، أما الحرف فهو لا يعطي معنى مستقلاً بالفهم، إنما لا بدَّ من ضميمة تبين معناه.
وتطلق الكلمة ويُراد بها الكلام تقول: ألقيت كلمة في الحفل والمراد خطبة، وقد استخدم القرآنُ الكلمة بهذا المعنى في قوله تعالى:
{كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..} [المؤمنون: 100] والمراد بالكلمة قوله:
{رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ..} [المؤمنون: 99 - 100] .
وكذلك هنا: {حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] الكلمة هي
{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] .
{قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}
كلمة (بئْسَ) للذم والمذموم {مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 72] أي: إقامتهم ونهايتهم، ووصفهم بالمتكبرين خاصة لأنهم ما وصلوا إلى هذه النهاية إلا بتكبرهم، تكبرهم على مَنْ؟ على ربهم وخالقهم، وعجيب من العبد أن يتكبر أول ما يتكبر على خالقه سبحانه الذي خلقه من عدم وأمده من عُدم.