46 -فعلى العاقل أن لا ينقطع عن الذكر، ويستبشر به، فالله تعالى معه معينه، ولما لم يقبل المتمردون من الكفار ما جاءهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدعاء إلى الخير، وصمموا على كفرهم .. أمره الله سبحانه أن يرد الأمر إليه، فقال: {قُلِ} محمد: {اللَّهُمَّ} والميم فيه عوض عن حرف النداء، والمعنى: قل يا محمد: يا الله يا {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} نصب بالنداء؛ أي: يا خالق السماوات والأرض على أسلوب بديع {عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ؛ أي: يا عالم كل ما غاب عن العباد وكل ما شهدوه؛ أي: التجئ يا محمد إليه تعالى بالدعاء حين تحيّرت في أمر الدعوة، وضجرت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد، فإنه القادر على الأشياء بجملتها، والعالم بأحوالها برمتها. {أَنْتَ} وحدك {تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ} ؛ أي: بيني وبين قومي، وكذا بين سائر العباد {فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} ؛ أي: فيما يختلفون فيه من أمر الدين؛ أي: تحكم حكمًا يسلمه كل مكابر، ويخضع له كل معاند، وهو العذاب الدنيوي أو الأخروي، والثاني أنسب بما بعد الآية.
والمعنى: أي قل يا محمد: يا الله، يا مبدع السماوات والأرض، ويا عالم ما غاب عنّا، وما تشهده العيون والأبصار، أنت تحكم بين عبادك، فتفصل بينهم بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، من القول فيك، وفي عظمتك وسلطانك، فتقضي بيننا وبين المشركين الذين إذا ذكر الله وحده .. اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر من دونه .. استبشروا وفرحوا، فتجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءَتِهِ، فإنه بذلك يظهر من هو المحق ومن هو المبطل، ويرتفع عنده خلاف المختلفين، وتخاصم المتخاصمين.
أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في"الأسماء والصفات"عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل .. افتتح صلاته:"اللهم ربّ جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".