وَلَوْ اخْتَبَرْت أُمُورَ الْجُهَّالِ وَالْحَمْقَى، مَعَ كَثْرَتِهِمْ، لَوَجَدَتْ الْحِرْمَانَ فِي أَكْثَرِهِمْ. وَإِنَّمَا يَصِيرُ ذُو الْحَالِ الْوَاسِعَةِ مِنْهُمْ مَلْحُوظًا مُشْتَهِرًا؛ لِأَنَّ حَظَّهُ عَجِيبٌ وَإِقْبَالَهُ مُسْتَغْرَبٌ. كَمَا أَنَّ حِرْمَانَ الْعَاقِلِ الْعَالِمِ غَرِيبٌ وَإِقْلَالَهُ عَجِيبٌ. وَلَمْ تَزَلْ النَّاسُ عَلَى سَالِفِ الدُّهُورِ مِنْ ذَلِكَ مُتَعَجِّبِينَ وَبِهِ مُعْتَبِرِينَ حَتَّى قِيلَ لِبَزَرْجَمْهَرَ: مَا أَعْجَبُ الْأَشْيَاءِ؟ فَقَالَ: نُجْحُ الْجَاهِلِ وَإِكْدَاءُ الْعَاقِلِ. لَكِنَّ الرِّزْقَ بِالْحَظِّ وَالْجَدِّ، لَا بِالْعِلْمِ وَالْعَقْلِ، حِكْمَةً مِنْهُ تَعَالَى يَدُلُّ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِجْرَاءِ الْأُمُورِ عَلَى مَشِيئَتِهِ.
وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لَوْ جَرَتْ الْأَقْسَامُ عَلَى قَدْرِ الْعُقُولِ لَمْ تَعِشْ الْبَهَائِمُ. فَنَظَمَهُ أَبُو تَمَّامٍ فَقَالَ:
يَنَالُ الْفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهُوَ جَاهِلُ ... وَيُكْدِي الْفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهُوَ عَالِمُ
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْزَاقُ تَجْرِي عَلَى الْحِجَا ... هَلَكْنَ إذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنُ أَبِي سُلْمَى:
لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءِ لَأَعْجَبَنِي ... سَعْيُ الْفَتَى وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ
يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا ... وَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ
عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعَقْلَ سَعَادَةٌ وَإِقْبَالٌ، وَإِنْ قَلَّ مَعَهُمَا الْمَالُ، وَضَاقَتْ مَعَهُمَا الْحَالُ.
وَالْجَهْلَ وَالْحُمْقَ حِرْمَانٌ وَإِدْبَارٌ وَإِنْ كَثُرَ مَعَهُمَا الْمَالُ، وَاتَّسَعَتْ فِيهِمَا الْحَالُ؛ لِأَنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ فَكَمْ مِنْ مُكْثِرٍ شَقِيٌّ وَمُقِلٍّ سَعِيدٌ. وَكَيْفَ يَكُونُ الْجَاهِلُ الْغَنِيُّ سَعِيدًا وَالْجَهْلُ يَضَعُهُ. أَمْ كَيْفَ يَكُونُ الْعَالِمُ الْفَقِيرُ شَقِيًّا وَالْعِلْمُ يَرْفَعُهُ؟ وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: كَمْ مِنْ ذَلِيلٍ أَعَزَّهُ عِلْمُهُ، وَمِنْ عَزِيزٍ أَذَلَّهُ جَهْلُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: الْجَاهِلُ كَرَوْضَةٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ.