وتأتي آية خاصة في هذا الربع لتصف مآل الخاسرين، ثم تتلوها آية أخرى لتصف مآل الفائزين، غير أن الربح والخسارة في لغة القرآن لهما ميزان خاص، غير الموازين المتعارفة بين الناس، فالخاسرون في هذا الميدان هم أولئك الذين خرجوا من هذه الدار وقد ضيعوا رأس مالهم، وهو خلاص أنفسهم ونجاتها، وضيعوا الربح الذي كان على مقربة منهم، وهو خلاص أهلهم وذويهم ممن كانوا تحت ولايتهم، فلا هم اهتدوا في أنفسهم، ولا هم أعانوا على الهداية من كانوا إلى نظرهم من الأزواج والأولاد
والخدم، ولم يقوا أنفسهم وأهليهم نارا، وذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} .
أما الفائزون الذين لم تلحقهم خسارة ولا إفلاس فهم على العكس من ذلك: أولئك الذين نجوا بأنفسهم فلم يخسروها، إذ صرفوا حياتهم- وهي رأس مالهم- في الرشد والخير والصلاح، ولم يخسروا أهليهم وذويهم، بل قادوهم إلى طرق الخير والبر، فكان ربحهم مضاعفا، {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} ، {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} .