واسم الإشارة في قوله - تعالى - ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يعود إليه - سبحانه - باعتبار أفعاله السابقة. وتصرفون: من الصرف بمعنى الابتعاد عن الشيء إلى غيره.
أي: ذلكم العظيم الشأن الذي ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته، هو الله ربكم الذي له ملك كل شيء، والذي لا معبود بحق سواه، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ وكيف تزعمون أن له شريكا أو ولدا ... مع توفر الأدلة على بطلان ذلك.
والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد ذكرتا ألوانا من البراهين على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، كخلق السماوات والأرض بالحق، وتكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، وتسخير الشمس والقمر لمنافع الناس، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة، ورعايتهم بلطفه
وإحسانه في مراحل حياتهم، وإيجاد الأنعام التي تنفعهم في شئونهم المختلفة.
ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن خلقه، وأنهم هم الفقراء إليه فقال: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ.
أي: إن تكفروا - أيها الناس - بعد أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة الإيمان وفساد الكفر، فإن الله - تعالى - غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين.
ومع ذلك فإنه - سبحانه - لرحمته بكم، لا يرضى لعباده الكفر، أي: لا يحبه منهم ولا يحمده لهم، ولا يجازى الكافر المجازاة التي يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له جنات النعيم، أما الكافر فله نار الجحيم.
وإن تشكروا الله على نعمه - أيها الناس - بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه فيما خلقت له، يرض لكم هذا الشكر، ويكافئكم عليه مكافأة جزيلة. بأن يزيدكم من نعمه وإحسانه وخيره.
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل أخرى، وإنما كل نفس تجازى على حسب أعمالها في الدنيا.
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ أي: فيخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دنياكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.