3 -ثم أكد هذا الأمر بقوله: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ} ألا: حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا من غفلتكم أيها العباد، واعلموا أن لله سبحانه، لا لغيره، الدين الخالص من شوائب الشرك، والعبادة الخالصة من شوائب الرياء، لا شركة لأحد معه فيها؛ لأن كل ما دونه ملكه، وعلى المملوك طاعة مالكه، وفي «الكواشي» : ألا لله الدين الخالص من الهوى، والشك، والشرك، فيتقرب به إليه رحمة، لا أن له حاجة إلى إخلاص عبادته. وفي «التأويلات النجمية» : الدين الخالص: ما يكون جملته لله، وما للعبد فيه نصيب، والمخلص: من خلّصه الله من حبس الوجود، بجوده لا بجهده.
وعن الحسن: الدين الخالص: الإسلام، لأن غيره من الأديان ليس بخالص من الشرك، فليس بدين الله الذي أمر به. فالله تعالى لا يقبل إلا دين الإسلام، وفي حديث رواه الحسن عن أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إني أتصدق بالشيء، وأصنع الشيء أريد به وجه الله تعالى، وثناء الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفس محمد - صلى الله عليه وسلم - بيده، لا يقبل الله شيئًا شورك فيه» ، ثم تلا: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ} .
وبعد أن أبان سبحانه، أن رأس العبادة الإخلاص لله، أعقب ذلك بذم طريق المشركين، فقال: {وَالَّذِينَ} عبارة عن المشركين. ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله الآتي: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} . {اتَّخَذُوا} يعني عبدوا {مِنْ دُونِهِ} تعالى؛ أي: حال كونهم متجاوزين الله، وعبادته {أَوْلِياءَ} ؛ أي: أربابًا وأوثانًا كالملائكة، وعيسى، وعزير، والأصنام، ولم يخلصوا العبادة لله تعالى، بل شابوها بعبادة غيره حال كونهم قائلين: {ما نَعْبُدُهُمْ} ؛ أي: الأولياء لشيء من الأشياء {إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى} ؛ أي: تقريبًا، فهو مصدر مؤكد على غير لفظ العامل، ملاق له في المعنى، وكانوا إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قيل لهم: لم تعبدون الأصنام؟ قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله تعالى.