الْأَرْبَعُونَ: أَنَّ أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ: إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا. فَإِبْلِيسُ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ كَوْنًا، مِنْ تَفْضِيلِ آدَمَ وَتَكْرِيمِهِ، وَلَا بِحُكْمِهِ الدِّينِيِّ، مِنْ أَمْرِهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَآدَمُ لَمْ يَرْضَ بِمَا أُبِيحَ لَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. حَتَّى ضَمَّ إِلَيْهِ الْأَكْلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحُمَّى. ثُمَّ تَرَتَّبَتْ مَعَاصِي الذُّرِّيَّةِ عَلَى عَدَمِ الصَّبْرِ وَعَدَمِ الرِّضَا.
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الرَّاضِيَ وَاقِفٌ مَعَ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ. مُعْرِضٌ عَنِ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ. وَهَذَا مِنْ قُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ تَعَالَى، وَمَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ. فَقَالَ
الثَّوْرِيُّ: قَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ مَوْتَ الْفُجَاءَةِ قَبْلَ الْيَوْمِ. وَأَمَّا الْيَوْمَ: فَوَدِدْتُ أَنِّي مَيِّتٌ.
فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: وَلِمَ؟ فَقَالَ: لِمَا أَتَخَوَّفُ مِنَ الْفِتْنَةِ.
فَقَالَ يُوسُفُ: لَكِنِّي لَا أَكْرَهُ طُولَ الْبَقَاءِ.
فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: وَلِمَ تَكْرَهُ الْمَوْتَ؟
قَالَ: لَعَلِّي أُصَادِفُ يَوْمًا أَتُوبُ فِيهِ وَأَعْمَلُ صَالِحًا.
فَقِيلَ لِوُهَيْبٍ: أَيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أَنْتَ؟
فَقَالَ: أَنَا لَا أَخْتَارُ شَيْئًا، أَحَبُّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللَّهِ.
فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَقَالَ: رُوحَانِيَّةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
فَهَذَا حَالُ عَبْدٍ قَدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ حَالَةُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ. وَقَفَ مَعَ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ مِنْهَا. وَقَدْ كَانَ وُهَيْبٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ الْمَقَامُ الْعَالِي مِنَ الرِّضَا وَغَيْرِهِ.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَنْعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنَ الْمُحِبِّ عَطَاءٌ، وَابْتِلَاءَهُ إِيَّاهُ عَافِيَةٌ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْعُهُ عَطَاءٌ. وَذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ عَنْ بُخْلٍ وَلَا عَدَمٍ. وَإِنَّمَا نَظَرَ فِي خَيْرِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَمَنَعَهُ اخْتِيَارًا وَحُسَنَ نَظَرٍ.