فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمْرًا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يُحِبُّهُ؟ وَكَيْفَ يَشَاؤُهُ وَيُكَوِّنُهُ؟ وَكَيْفَ تَجْتَمِعُ إِرَادَةُ اللَّهِ لَهُ وَبُغْضُهُ وَكَرَاهِيَتُهُ؟
قِيلَ: هَذَا السُّؤَالُ هُوَ الَّذِي افْتَرَقَ النَّاسُ لِأَجْلِهِ فِرَقًا، وَتَبَايَنَتْ عِنْدَهُ طُرُقُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ.
فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ نَوْعَانِ: مُرَادٌ لِنَفْسِهِ. وَمُرَادٌ لِغَيْرِهِ.
فَالْمُرَادُ لِنَفْسِهِ: مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ. فَهُوَ مُرَادُ إِرَادَةِ الْغَايَاتِ وَالْمَقَاصِدِ.
وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ: قَدْ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ مَقْصُودًا لِلْمُرِيدِ، وَلَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ. وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً مَقْصُودَةً وَمُرَادَةً. فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ نَفْسُهُ وَذَاتُهُ، مُرَادٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إِفْضَاؤُهُ وَإِيصَالُهُ إِلَى مُرَادِهِ. فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَمْرَانِ: بُغْضُهُ، وَإِرَادَتُهُ، وَلَا يَتَنَافَيَانِ. لِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقِهِمَا. وَهَذَا كَالدَّوَاءِ الْمُتَنَاهِي فِي الْكَرَاهَةِ، إِذَا عَلِمَ مُتَنَاوِلُهُ أَنَّ فِيهِ شِفَاءَهُ، وَكَقَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّ فِي قَطْعِهِ بَقَاءَ جَسَدِهِ، وَكَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الشَّاقَّةِ جِدًّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهَا تُوصِلُهُ إِلَى مُرَادِهِ وَمَحْبُوبِهِ. بَلِ الْعَاقِلُ يَكْتَفِي فِي إِيثَارِ هَذَا الْمَكْرُوهِ وَإِرَادَتِهِ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَإِنْ خَفِيَتْ عَنْهُ عَاقِبَتُهُ، وَطُوِيَتْ عَنْهُ مَغَبَّتُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْعَوَاقِبُ؟ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَكْرَهُ الشَّيْءَ وَيُبْغِضُهُ فِي ذَاتِهِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إِرَادَتَهُ لِغَيْرِهِ، وَكَوْنَهُ سَبَبًا إِلَى مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ فَوْتِهِ.