إنه سبحانه يجب أن يشكر ويحب أن يشكر عقلا وشرعا وفطرة، فوجوب شكره أظهر من وجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب، وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب، فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابا، وأنه خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع، وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل، ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم.
فإذا رأى المعافى المبتلى، والغني الفقير، والمؤمن الكافر عظم شكره لله، وعرف قدر نعمته عليه، وما خصه به وفضله به على غيره، فازداد شكرا وخضوعا واعترافا بالنعمة.
وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد:"أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر".
فإن قيل فقد كان من الممكن أن يسوي بينهم في النعم ويسوي بينهم في الشكر كما فعل بالملائكة؟
قيل لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره، ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله.
وهذه حكمة الرب، ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم، وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل.
وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب، فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بين جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم.
فالضد يظهر حسنه الضد.
وبضدها تتبين الأشياء.