ومعنى {لَهُ الْمُلْكُ ..} [الزمر: 6] يعني: إنْ كنتم قد شهدتم مُلْكاً واسعاً فاعلموا أنه لمن خلقكم، ومن العجيب أنه مخلوق من أجلكم أنتم وقد خلقه الله لكم قبل أنْ يخلقكم؛ لأن الإنسان الأول طرأ على كَوْن مُعَدٍّ لاستقباله بكل ما يلزمه من مُقوِّمات الحياة بدايةً من الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم إلى أصغر شيء في الكون.
وقوله بعدها: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ..} [الزمر: 6] يعني: أن هذا الخَلْق العجيب لله وحده ولم يَدَّعه أحد لنفسه، وما دام أن أحداً لم يدَّع الخَلْقَ لنفسه فليس لأحد أنْ يدَّعي أنه واضح المنهج الذي يعيش به الإنسانُ في الكون؛ لأن الذي خلق هو الذي يضع المنهج، والذي صنع هو الذي يضع قانون الصيانة لصنعته.
{فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] أي: كيف تنصرفون عن عبادة الله الخالق إلى عبادة غيره ممن ليس لهم من الخَلْق شيء؟ كيف تنصرفون عن ربٍّ خلق وربَّى ولا يزال فلم يتركنا ولم يسلم خَلْقه لأحد غيره، وليس عنده استعداد لأنْ يسلمه أبداً.
{إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
بعد أنْ حَنَّنَ الحق سبحانه الخَلْق بذكر الربوبية التي خلقت وربتْ، وأمرتْ، وبذكر الألوهية التي ضمنتْ صلاح البلاد والعباد، بيَّن سبحانه أنه الغني عن خَلْقه، فقال تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} [الزمر: 7] يعني: غني عن إيمانكم ولا تنفعه طاعاتكم.
فهو سبحانه جعل التكاليف لصلاح حالكم لا لمنفعة تعود عليه سبحانه، فأنتم خَلْقه وصَنْعته، والصانع يريد أنْ يرى صنعته على أحسن حال، يرى العبد المؤمن في المجتمع المؤمن الذي تتساند حركته لا تتعاند، وتتفق توجهاته لا تتضارب، الخالق سبحانه لا يحب أنْ يرى خَلْقه يتصارعون، واحد يبني والآخر يهدم.
إذن: هذا هو الهدف من الخَلْق ومن المنهج؛ لأن الله تعالى بصفات الكمال فيه خلق الخَلْق، ولم يُزدْه الخَلْق صفة واحدة لم تكُن له من قبل، إذن: لا حاجة له إليكم. إنما أنتم صنعته ويريد لكم الخير؛ لذلك لما عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبيْنَ أنْ يحملْنها وأشفقْنَ منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جَهُولاً.