ويجوز أن يكون إنزال الأنعام إنزالها الحقيقي ، أي إنزال أصولها من سفينة نوح كقوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] ، أي خلقنا أصلكم وهو آدم ، قال تعالى: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} [هود: 40] فيكون الإِنزال هو الإِهباط قال تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] ، فهذان وجهان حسنان لإِطلاق الإِنزال ، وهما أحسن من تأويل المفسرين إنزال الأنعام بمعنى الخلق ، أي لأن خلقها بأمر التكوين الذي ينزل من حضرة القدس إلى الملائكة.
والأزواج: الأنواع ، كما في قوله تعالى: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} [الرعد: 3] والمراد أنواع الإِبل والغنم والبقر والمعز.
وأطلق على النوع اسم الزوج الذي هو المثنّى لغيره لأن كل نوع يتقوّم كيانه من الذكر والأنثى وهما زوجان أو أطلق عليها أزواج لأنه أشار إلى ما أنزل من سفينة نوح منها وهو ذكر وأنثى من كل نوع كما تقدم آنفاً.
{أزواج يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظلمات} .
بدل من جملة {خلقكم من نفسسٍ واحدة} وضمير المخاطبين هنا راجع إلى الناس لا غير وهو استدلال بتطور خلق الإِنسان على عظيم قدرة الله وحكمته ودقائق صنعه.
والتعبير بصيغة المضارع لإِفادة تجدد الخلق وتكرره مع استحضار صورة هذا التطور العجيب استحضاراً بالوجه والإِجمال الحاصل للأذهان على حسب اختلاف مراتب إدراكها ، ويعلم تفصيله علماء الطب والعلوم الطبيعية وقد بينه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن أحدكم يُجمَع خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسل إليه الملَك فينفخُ فيه الروح".
وقوله: {خلقاً من بعدِ خلقٍ} أي طوراً من الخلق بعد طور آخر يخالفه وهذه الأطوار عشرة: