ولما أخبر أنه من عنده ، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير ، فقال صارفاً القول عن الغيبة منبهاً على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانياً ، مبرزاً له في أسلوب العظمة مختبراً أنه خص به أعظم خلقه ، معبراً بالإنزال الظاهر في الكل تجوزاً عن الحكم الجازم الذي لا مرد له: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {أنزلنا} أي بما لنا من العظمة ، وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة ، بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقاً له - صلى الله عليه وسلم - ، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص به - صلى الله عليه وسلم - ، ومن قرب منه ويسره وسهولته لأمته فقال: {إليك} أي خاصة بواسطة الملك ، لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك ، فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس ، وأظهر موضع الإضمار تفخيماً بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول والفروع واللطائف والمعارف {الكتاب} أي الجامع لكل خير مع البيان القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي ، والكائن ، متلبساً {بالحق} وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره ، فالواقع تابع لأخباره ، لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لإخفاء بشيء منها ، لا حلية له ولا لباس إلا الحق ، فلا دليل على كونه من عنده من ذلك ، فليتبعوا خبره ، ولينظروا عينه وأثره.