وأحسب الكوفيين - حيث قالوا ذلك - تأولوا هذا المعنى ، وهو -
كما تأولوه - بينًا في هذه الآية ، لولا الآية الأخرى ، إذ يقول:
(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)
فأبان أن المحبط عمله هو الميت على الردة ، لا النازع عنها.
وفي قوله: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) - معنًى - دليل واضح لا إشكال فيه أن المرتد تقبل توبته ، ولا تبيح الردة دمه ، دون الامتناع
من الإقلاع عما أمقل إليه من دين الباطل ، إذ لو كانت الردة
تبيح دمه من غير تلوم برجوعه ، لم يكن لاشتراطه (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ)
معنى - لأنه كان يموت على ردته - إذا قُتل بجنايته كل مرتد ،
إذ محال أن ترده التوبة إلى الإسلام فيشاط دمه وهو مسلم.
وهذا لا يشبه الحدود ، من إفاتة نفس الزاني الحصن بالرجم ، وهو
مسلم ، لأن الرجم عقوبة عمل معمول فإذا تاب لم يعد عليه عمله غير
معمول ، فهو مستوجب عقوبته ، حتى يعاقب ، والردة ترك عمل ، من
قول وفعل ، كان حاقنا بها دمه ، فلما تركهما أوقعاه في إباحة الدم ،
ما دام مقيمًا عليها فإذا أقلع عن حال إباحة دمه ، وعاد في حال ما
حقن به حرم أَيضًا ، وكان كفره ساعة نهاره ككفر الكافر مدة عمره ،
قبل إسلامه ، فمحال أن يجب الإسلام كفر مئة عام ، ولا يجبُّ كفر
ساعة من نهار.
ومن هِرَاق دم المرتد بردته ، ولم يلتفت إلى توبته ، اعتمادًا على قول
النبي ، صلى الله عليه وسلم:"من بدَّل دينه فاقتلوه"، فقد جهل
كل الجهل ، وتأوَّل على الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، بتوهمه ما لم
يقله ، وأباح دم مسلم إذا تاب من ردته ، إذ لا يقع اسم التبديل إلا
على المصر على الردة ، التي أمقل إليها.
فأمّا هراقة دمه ، وقد صار بالتوبة مسلمًا ، فهو قتل مسلم لا مرتد.
ومنه: ما يدخل على المعتزلة في باب الوعيد من قبول توبة