دليل على غير شيء: فمنه: إعمال الفعل
الأول ، دون الثاني ، والإخبار عنه على التوحيد ، وإهمال الثاني على الإشراك ، وعلى الإفراد - معًا - بالإخبار عنه ، لا بالإشارة إلى المعنى.
وفي ذلك دخول الخلل على اختيارات أبي عبيد - رضي الله عنه -
في القراءات إعمال الفعل الأقرب ، دون الأبعد ، مثل قوله: (أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى) بالياء ، لأنه يلي النعاس ، والأمنة قبله.
ومثل قوله: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ(45) ، لتباعد الشجرة
منه ، ومثل قوله: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25) ، بالتاء ، لمجاورة النخلة له ، دون الجذع ، ومثل قوله: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37) ، بالياء ، لقرب المني ، وبعد
النطفة ، وأشباه ذلك ، لأن اللغة إذا وردت في القرآن في موضع
فقد - تكاملت الفصاحة فيها ، فسواء كانت في موضع أو في
مواضع لا يزيد للمكرر على الموحد في الفصاحة شيئًا ، إنما يُغلَّب
الكثرة على القلة ، فيختار فيما لم ينزل بها القرآن - وهي متداولة في
الشعر والخطب - من كلام البشر.
فإذا نزل بها القرآن ، ذهب موضع اختيار بعضه على بعض ، إلا أن
يكون حرف يختلف القراء في نزوله ، كيف نزل ، فتقول طائفة: نزل كذا . وطائفة: كذا.
فيختار حينئذٍ ما تشهد له الكثرة ، والأشهر - من كلام العرب - دون
الآخر.
وقد يجوز أن يكون هذا المعنى حجة لبيت امرئ القيس ، حيث
أعمل الفعل الأول في قوله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة
كفاني ولم أطلب قليل من المال.
بمعنى كفاني قليل من المال ، ولم أطلب ، كتأويل: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ) ، لئن فعلت كذا كان كذا (وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) ، أوحي مثله والله أعلم.
ومنه: أن المرتد وإن رجع إلى الإسلام فعليه إعادة كل ما سبق له -
قبل الردة - في ظاهر هذه الآية ، لأن العمل المحبوط محتاج صاحبه إلى
استئنافه.