وقوله: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ)
رُوي عن قتادة أنه قال: هم أهلوهم الذين أعدوا لهم في الجنة ،
فخسروهم بكفرهم . وما أظنه إلا كما قال.
فقد رُوي عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حديث يصدّقه:
"ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ، ومنزل في النار ،"
فإن مات فدخل النار ، ورث أهل الجنة منزله . فذلك قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) "."
وفي بعض أخبار المساءلة في القبر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
أنه قال - في الكافر -:"ثم يفتح له باب من الجنة ، فيُقال له: هذا"
كان مكانك ، لو آمنت بربك . فأمَّا إذ ، كفرت به ، فإن الله أبدلك
به هذا . فيفتح له باب من النار . ويفتح للمؤمن باب من النار ، فيقال
له: هذا مكانك لو كفرت بربك فأمَّا إذ آمنت به ، فإن اللَّه أبدلك به هذا ، فيفتح له باب إلى الجنة"."
وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
آية يغلط فيها القائلون بالاستحسان.
فيحتجون بها ، وليست لهم ، بل هي عليهم ، لأنه يستمعون
القول ، والقول المسموع لغيرهم.
والاستحسان لهم . فمحال أن يتبعوا أنفسهم في الاستحسان ،
ويكون القول المسموع لغيرهم ، فيُمدحُوا بغير ما وُصفوا.
والآية - بعد بيان غلطهم - حُجَّةٌ على المقلدين ، إذ القول
المسموع لا يخلو من أن يكون قول من يكون قوله حجة ، أو قول من
لا يكون قوله حجة.
فلما كان قول من يكون حجة ، حسنًا كله ، لا تزييف فيه ، عُلم
أنه المتبع ، دون قول من لا يكون حجة.
وقد لخصناه في كتاب الأصول من"شرح النصوص"ما أغنى
عن إعادته ها هنا.
وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ)
نظير ما مضى من قوله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) في جواز تذكير فعل
المؤنث ، لما يدل عليه اسمه.