فلو قُلب هذا الخبر ، وقيل: يُغفر للعالم سبعون ذنبًا ، قبل أن يُغفر
للجاهل ذنب واحد ، لكان الكتاب والسنة والإجماع ونظر المحصلين
أدل عليه ، إن شاء الله.
وعلى العالم - مع ذلك - أن يعرف حق المنعم عليه فيما علمه ،
ويصون ما أكرم به من تدنيسه ، وسلكه به مسلك الجاهلين ، ويحذر
سطوة الله في تضييع شُكره - فعلاً وقولاً - على ما أعطي.
فعليه أن يَنْفِس على ميراث الأنبياء ، فلا يخلطه بميراث إبليس ،
وأعدائه من الشياطين.
وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ(11)
دليل على الإخلاص فرض عليه ، وعلى أمته مع أنه قد نص القرآن على أمر الأمة - أيضاً - حيث يقول: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) .
وقوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ(12)
يحتمل أن تكون اللام فيه بمعنى"الباء"، ويحتمل أن يكون وأمرت بالعبادة المُخْلَصة ، لأن أكون أول المسلمين . والله أعلم كيف هو.
وهذا يؤكد أن قوله - في الأعراف ، إخبارًا عن موسى -: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(143) ، أنه أول مؤمني زمانه ، إذ محال أن يؤمر النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، أن يكون أول من أسلم ، من الخلق - كلهم -
وقد تقدمه بالإسلام من تقدم.
ولكنه أول من يسلم من أمته.
وقوله: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) .
هو على طريق التهدد ليس على ما يتأوله المعتزلة والقدرية.
وهو نظير قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، وقد أجبناهم عنه.
وجه التأكيد فيه: أن موسى وصف أنه أول المؤمنين ، ووصف نبينا محمد ، صلى اللَّه عليه وسلم ، أنه أول المسلمين فلو كان المراد الأولية بالنسبة للناس جميعا لاقتضى التناقض ، إذ كيف يصف نبيا أنه أول المؤمنين جميعًا ، ثم في مكان آخر يصف نبيُّا - آخر أنه هو الأول ، فما جاء هنا أكد أن المراد بالأولية هناك أولية نسبية ، لا مطلقة.