قال الشوكاني: وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين، من تقيد هذه الآية بالتوبة، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين، وزعموا أنهم قالوا ذلك: للجمع بين الآيات .. فهو جمع بين الضب والنون، وبين الملاح والحادي، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة .. لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) } .
فلو كانت التوبة قيدًا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقال سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} انتهى.
وقال البروسوي في"الروح":
واعلم: أن أهل السنة لم يشترطوا التوبة في غفران الذنوب مطلقًا؛ أي: سواء كانت كبائر أو صغائر، سوى الشرك. ودل عليه آثار كثيرة.
روي: أن الله تعالى يقول يوم القيامة لبعض عصاة المؤمنين:"سترتها عليك في الدنيا"؛ أي: الذنوب"وأنا أغفرها لك اليوم"فهذا وأمثاله يدل على المغفرة بلا توبة.
والفرق بين الشرك وسائر المعصية: هو أن الكافر لا يطلب العفو والمغفرة لمعاصيه، اهـ.
{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) }
وفي"فتح الرحمن": إن قلت: كيف قال: ذلك مع أن القرآن كله حسن؟
قلت: معناه أحسن وحي، أو أحسن كتاب أنزل إليكم، وهو القرآن كله، أو أحسن القرآن آياته المحكمات، أو آياته التي تضمنت أمر طاعة، أو إحسان انتهى.
أي: واتبعوا ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم عنه فيه.
{بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) }
فإن قلت: كلمة {بَلَى} مختصة بإيجاب النفي، ولا نفي في واحدة من تلك المقالات؟
قلت: إنها رد للثانية، وكلمة {لَوْ} تتضمن النفي؛ لأنها لامتناع الثاني لامتناع الأول؛ أي: لو أن الله هداني .. لكنت من المتقين، ولكن ما هداني، فقال تعالى: بلى قد هديتك.