وتعليق إرادة الضُّرِّ والرحمة بنفسه - صلى الله عليه وسلم - للردّ في نحورهم، حيث كانوا خوّفوه مضرّة الأوثان، ولما فيه من الإيذان بإمحاض النصح، وإنما قال: {كَاشِفَاتُ} و {مُمْسِكَاتُ} إبانةً لكمال ضعفها، وإشعارًا بأنوثتها، كما قال: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} وهم كانوا يصفونها بالأُنوثة، مثل العزى واللات ومناة، فكأنه قال: كيف أشركتم به تعالى هذه الأشياء الجماديّة البعيدة من الحياة والعلم والقدرة والقوّة والتمكّن من الخلق؟ هلّا استحييتم من ذلك؟ وجواب هذا الاستخبار محذوف، تقديره: فإنهم سيقولون لا تقدر على شيء من ذلك.
{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) }
وفي"فتح الرحمن":
إن قلت: كيف قال ذلك مع أن للأنبياء والعلماء والشهداء والأطفال شفاعة؟
قلت: معناه: أن أحدًا لا يملكها إلا بتحليلها من الله تعالى، كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) }
فإن قلت: حمل هذه الآية على ظاهرها يكون إغراء بالمعاصي، وإطلاقًا في الإقدام عليها، وذلك لا يمكن؟
قلت: المراد منها: على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنّه لا مخلص له من العذاب، فإن من اعتقد ذلك .. فهو قانط من رحمة الله تعالى، إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب .. زال عقابه، وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى أن الله يغفر الذنوب جميعًا؛ أي: إذا تاب، وصحت التوبة .. غفرت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب .. فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فإن شاء .. غفر له، وعفا عنه، وإن شاء .. عذّبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل أحد، وخوف العذاب مطلوب، فلعل الله تعالى يغفر مطلقًا، ولعله يعذّب ثم يعفو بعد ذلك، والله أعلم.