وقيل: إنه كان لمن مع نوح ذرّية كما يدلّ عليه قوله: {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء: 3] ، وقوله: {قِيلَ يا نوح اهبط بسلام مّنَّا وبركات عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] ، فيكون على هذا معنى {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين} ، وذرّيته وذرّية من معه دون ذرّية من كفر ، فإن الله أغرقهم ، فلم يبق لهم ذرّية.
{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين} يعني: في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من الأمم ، والمتروك هذا هو قوله: {سلام على نُوحٍ} أي: تركنا هذا الكلام بعينه ، وارتفاعه على الحكاية ، والسلام هو: الثناء الحسن ، أي: يثنون عليه ثناءً حسناً ، ويدعون له ، ويترحمون عليه.
قال الزجاج: تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة ، وذلك الذكر هو قوله: {سلام على نُوحٍ} .
قال الكسائي: في ارتفاع {سلام} ، وجهان: أحدهما وتركنا عليه في الآخرين يقال: سلام على نوح.
والوجه الثاني أن يكون المعنى: وأبقينا عليه ، وتمّ الكلام ، ثم ابتدأ ، فقال: سلام على نوح ، أي: سلامة له من أن يذكر بسوء في الآخرين.
قال المبرد: أي: تركنا عليه هذه الكلمة باقية ، يعني: يسلمون عليه تسليماً ، ويدعون له ، وهو من الكلام المحكي كقوله: {سُورَةٌ أنزلناها} [النور: 1] ، وقيل: إنه ضمن تركنا معنى: قلنا.
قال الكوفيون: جملة {سلام على نوح في العالمين} في محل نصب مفعول {تركنا} ، لأنه ضمن معنى قلنا.
قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود"سلاماً"منصوب بتركنا ، أي: تركنا عليه ثناءً حسناً ، وقيل: المراد بالآخرين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.