أي: ليقولن هؤلاء المنافقون: {إِنَّا كُنَّا} داخلين {مَعَكُمْ} في دينكم ومعاونين لكم على عدوك فأشركونا في المغنم، وهم كاذبون فيما يدعون. ونحو الآية {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
وهم ناس من ضعفة المسلمين، كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم، وكانوا يكتمونه من المسلمين، فرد الله عليهم وتوعدهم، وذكر أنه عليم بما في صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، فقال: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ} سبحانه {بِأَعْلَمَ} منهم {بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} ؛ أي: بما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والإخفاء، وادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة.
والهمزة في قوله: {أَوَلَيْسَ} لاستفهام التقريري، المضمن للتوبيخ، داخلة على محذوف تقديره: أيحسبون أن الله لا يعلم ما في صدورهم من النفاق، وليس الله سبحانه باعلم بما في صدور العالمين، وبما في قلوب المنافقين وما تكنه صدورهم، وإن أظهروا لكم الموافقة على الإيمان، فكيف يخادعون من لا تخفى عليه خافية، ولا يستتر عنه سر، والمعنى: قد علم ما انطوت عليه الضمائر من خير أو شر.
والظاهر: أن هذا النظم من قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ} إلى قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} نازل في المنافقين، لما يظهر من السياق،
11 -ولقوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} بالإخلاص {وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} سواء كان نفاقهم بأذية الكفرة أو لا، فإنها لتقرير ما قبلها وتأكيده؛ أي: ليميزن الله بين الطائفتين، ويُظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى. ويصبر في حق الله الصبر، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله، والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا، فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم، وكفر بالله عز وجل، وإن خفقت ريح الإِسلام وطلع نصره ولاح فتحه رجع إلى الإِسلام، وزعم أنه من المسلمين.