{إِنَّهُمْ لكاذبون} استئنا فمقرر للنفي السابق ، والكذب قيل راجع إلى تعليق الحمل بالاتباع فإنه اخبار لا إلى الأمر السابق لأنه إنشاء ولا يجري الكذب فيه ، وتعقب بأن التعليق لا يلزمه أن يكون أخبار بل هو ضمان معلق أي إنشاء الضمان عند وجود الصفة ، ولذا قال الزمخشري: إن ضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به لا يسمى كاذباً لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه ، وجعل هذا سؤالا عن وجه التعبير بكاذبون ، وأجاب عن ذلك بوجهين ، ثانيهما على ما في"الكشف"هو الوجه ، وحاصله أن الكذب ليس راجعاً إلى أنهم غير حاملين ليقال: إن الضامن لا يسمى كاذباً بل أخبر الله تعالى أنهم عجز عما ضمنوه ومع ذلك هم كاذبون في وعد إنشاء الضمان عند وجود الوصف ، والمحصل أن من وعد الضمان إن ضمن ولم يحقق لا يسمى كاذباً وإن لم يضمن سمي كاذباً ، وأولهما أنه شبه الله تعالى حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ضمانهم عنده سبحانه لا على ما هو عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه.
وقال بعض المحققين: الكذب راجع إلى الخبر الذي في ضمن وعدهم بالحمل وهم أنهم قادرون على إنجاز ما وعدوا ، والكذب كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه يتطرق إليه باعتبار ما يلزم مدلوله ، وفي الانتصاف أن في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لكاذبون} نكتبة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره والتزم تخريج جميع ما ورد في ذلك على أصل الأمر ولم يتم له ذلك في هذه الآية لأنه سبحانه أردف قولهم {وَلْنَحْمِلْ خطاياكم} على صيغة الأمر بقوله تعالى: {إِنَّهُمْ لكاذبون} والتكذيب إنما يتطرق إلى الأخبار انتهى ، ويعلم منه وجه كونهم كاذبين في قولهم ذلك مع إخراجهم له مخرج الأمر إلا أن في كون الآية دليلاً على ما ذكره نظراً كما لا يخفى.