ولم يقولوا: إن الله منجيك ، وقالوا: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) وليس يخلو بتة من أن تكون الرسل مأمورين بإنزال الحجارة ، وإنجاء لوط ، فكانوا هم المنزلين ذلك بأمر ربهم ، أو غير مأمورين. فلما لم يجز أن لا يكونوا مأمورين ، لأنهم لا يكذبون ، وبأنفسهم من غير أمر لا يقدرون - حصل أنهم قالوا ذلك بأمره ، وفعلوه بتسليط ، وقد أخبر الله به عنهم وعن نفسه.
أفليس إن جعلنا فعل الله تبعا لفعلهم كفرنا ، وإن جعلنا فعلهم تبعا
لفعل الله صح لنا ،
إن الله وإن أخبر بالفعل عن فاعل فهو مؤهله ومقويه عليه ، وفاعله
بإرادته ومشيئته كما نجى الرسل لوطا ومن معه ، وأنزلوا الرجس على من
هلك من قومه بإرادة الله ومشيئته. وكذا قال تبارك وتعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ثم قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)
ثم قال: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) ، فعلم أن الإرادة والمشيئة والقوة لله ، وأن الفعل منسوب إلى فاعله ، فإن كان مطيعا فيه أجر بفضله ، وإن كان عاصيا عوقب بعدله. والنظر في كيفيته ذلك
العدل ، ومعرفته من الخلق له كهيئة ما عنده مزاحمة في ملكه ، وتأميل
إدراك ما لا سبيل إليه من كشف سره.
قوله تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ(38)
لا متعلق لهم فيه ، لأنه على ما علمتك من أن تزيينه تبع لتزيينه ،
وصدوده تبع لصدوده.
وقال المفسرون في (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ(38) : أي في ضلالتهم معجبين
بها.
قوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43)
دليل على فضيلة العلماء ، وجواز لضرب الأمثال.