قلت: إيذانًا بأن نوحًا عاش بعد إغراق قومه ستين سنة في طيب زمان وصفاء عيش، وراحة بال، والعرب تعبر عن الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة. اهـ."سمين".
وقيل: سمى السنة عامًا لعوم الشمس في جميع بروجها. والعوم السباحة، ويدل على معنى العوم قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
فإن قلت: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟
قلت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإِسلام، فقال الله سبحانه له: إن نوحًا لبث هذا العدد الكثير، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. اهـ"رازي".
فإن قلت: ما فائدة العدول إلى ما قاله عن تسع مائة وخمسين مع أنه عادة الحُسَّاب؟
قلت: عدل إلى ما قاله؛ لأن: الاستثناء يدل على التحقيق، وتركه قد يُظنُّ به التقريب، فهو كقول القائل: عاش فلان مائة سنة، فقد يُتوهم السامع أنه يريد مائة سنة تقريبًا لا تحقيقًا. فإن قال: مائة سنة إلا شهرًا .. زال ذلك التوهم وفُهم منه التحقيق، الاستثناء من الألف استُدل به على جواز الاستثناء من العدد، وفي كونه ثابتًا من لسان العرب خلاف مذكور في النحو، وقد عمل الفقهاء المسائل على جواز ذلك.
{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) }
فإن قلت: أوليس هذا من عطف الخبر على الإنشاء؟
أجيب: بأن الاستفهام فيه لما كان للإنكار، وتقرير الرؤية، كان إخبارًا من حيث المعنى؛ أي: قد رأوا ذلك وعلموه. اهـ"زاده".
{فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) }
فإن قلت: لِمَ جمع الآيات هنا، حيث قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وأفردها فيما بعدُ في قوله: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) } ؟
قلت: إن ما هنا إشارة إلى إثبات النبوة القائمة بالنبيين، وهم كثيرون فناسبه الجمع، وما بعدُ إشارة إلى التوحيد القائم بواحد، وهو الله لا شريك له فناسبه الإفراد. اهـ."زكريا".