قلت: قال هنا باللام، موافقةً للفظ اللام في قوله: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} وقال في لقمان بعلى، حملًا على المعنى بطريق التضمين، إذ التقدير: وإن حملاك على أن تشرك بي.
وإذا لم تجز طاعة الوالدين في هذا المطلب، مع المجاهدة منهما له، فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى، ويُلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه، فلا طاعة لهما فيما هو معصية لله، كما صح ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) }
فإن قلت: لِمَ غاير بين أسلوب الجملتين، حيث عبر في الأولى بالفعل حيث قال: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} وفي الثانية باسم الفاعل، حيث قال: {وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} ؟
قلت: للتفنن أو لرعاية الفاصلة، كما في"البيضاوي".
واعلم: أن حقيقة الإيمان نور، إذا دخل قلب المؤمن لا تخرجه أذية الخلق، بل يزيد بالصبر على أذاهم، والتوكل على الله، فإنه نور حقيقي، أصلي ذاته، لا يتكدر بالعوارض، كنور الشمس والقمر فإنهما إذا طلعا يزداد نورهما بالارتفاع، ولا يقدر أحد أن يطفئ نورهما. وكنور الحجر الشفاف المضيء بالليل، فإنه لا يقبل الانطفاء مثل الشمعة؛ لأن نوره أصلي، ونور الشمعة عارضي.
ثم إن في المحن والأذى تفاوتًا، فمن كانت محنته بموت قريب من الناس، أو فقد حبيب من الخلق أو نحوه .. فحقير قدره وكثير من الناس مثله، ومن كانت محنته لله وفي الله .. فعزيز قدره وقليل مثله، وقد كان كفار مكة يؤذون النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنواع الأذى فصبر.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) }
والعام كالسنة، لكن كثيرًا ما تُستعمل السنة في الحول الذي فيه الشدة والجدب، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام فيما فيه الرخاء.
فإن قلت: لِم غاير بين تمييز العددين، فقال في الأول: سنة، وفي الثاني عامًا؟
قلت: فرارًا من ثقل التكرار؛ لأن التكرار في الكلام الواحد مجتنب في البلاغة، إلا إذا كان لغرض من تفخيم أو تهويل أو تنويه، ذكره أبو حيان.
فإن قلت: لِمَ خص لفظ العام بالخمسين والألف بالسنة ولم يعكس؟