قلنا: إنما عدل إلى ما ذكر لتأكيد الإخبار عن الإعادة التي كانت هي المنكرة عندهم بالإفصاح باسمه تعالى في ذكرها وجعله مبتدأ لزيادة الاهتمام بشأنها؟
[832] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا) [العنكبوت: 27] في معرض المدح أو في معرض الامتنان عليه، وأجر الدنيا فإن منقطع، بخلاف أجر الآخرة فإنه النعيم المقيم الباقي، فكان الأولى بالذكر؟
قلنا: المراد به: وآتيناه أجره في الدنيا مضموما إلى أجره في الآخرة من غير أن ينقص من أجر الآخرة شيئا. قال ابن جرير: وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [العنكبوت: 27] يعني له في الآخرة جزاء الصالحين وافيا كاملا.
وأجره في الدنيا، قيل: هو الثناء الحسن من الناس والمحبة من أهل الأديان. وقيل: هي البركة التي بارك الله فيه وفي ذريته.
[833] فإن قيل: كيف قالوا: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت: 31] يعنون مدينة قوم لوط عليه السلام، ولم يقولوا تلك القرية، مع أن مدينة قوم لوط كانت بعيدة عن موضع إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، غائبة عند وقت هذا الخطاب؟
قلنا: إنما قالوا هذه القرية لأنها كانت قريبة حاضرة بالنسبة إليهم وإن كانت بعيدة بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام.
[834] فإن قيل: كيف قالوا: أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت: 31] ولم يقولوا أهل هذه القرى؟ مع أن مدائن قوم لوط كانت خمسا فأهلكوا منها أربعا؟
قلنا: إنما اقتصروا في الذكر على قرية واحدة لأنها كانت أكبر وأقرب وهي سدوم مدينة لوط عليه السلام، فجعلوا ما وراءها تبعا لها في الذكر.
[835] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) [العنكبوت: 38] أي ذوي بصائر، يقال فلان مستبصر: إذا كان عاقلا لبيبا صحيح النظر، ولو كانوا كذلك لما عدلوا عن طريق الهدى إلى طريق الضلال؟
قلنا: معناه وكانوا مستبصرين في أمور الدنيا، وقيل: معناه وكانوا عارفين الحق بوضوح الحجج والدلائل؛ ولكنهم كانوا ينكرونه متابعة للهوى؛ لقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) [النمل: 14] . وقيل: معناه وكانوا مستبصرين لو نظروا نظر تدبر وتفكر.