فأجاب عن السؤال الأول بقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} .
وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة.
وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} أنفسهم بالشرك، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون، وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمناً.
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}
أجاب الله جل وعلا عن شبهتهم التي قالوا فيها تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا، فبين الله تعالى خطأهم في ذلك، لأن ما عند الله خير وأبقى وذلك لوجهين كما ذكر الرازي:
أحدهما ـ إن المنافع هناك أعظم.
وثانيها ـ إنها خالصة عن الشوائب، ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل الضار فيها أكثر.
وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً، فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر، فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستيفاء منافع الدنيا، ونبه عن ذلك بقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يعني: من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل.
{أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ}