وقال أبو حيان في البَحْر المُحِيْط، والرازي في مفاتيح الغيب:"فإن قلت كيف يتصل قوله: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا} بهذا الكلام، ومن أي جهة يكون استدراكاً؟ قلت: اتصاله به وكونه استدراكاً من حيث أن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قروناً كثيرة، فتطاول على أخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم. واندرست العلوم، فوجب إرسالك، فأرسلناك وكسبنّاك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى، كأنه قال: وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة، ودلّ به على المسبب على عادة الله في اختصاره".
{وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}
"أي: وما كنت مقيماً في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك {تَتْلُوا عَلَيْهِمْ} ، أي: تقرأ على أهل مدين بطريق التعليم منهم {آيَاتِنَا} الناطقة بالقصة"
{وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} إياك وموحين إليك تلك الآيات"."
ونقل الرازي وجهين في قوله تعالى: {تَتْلُوا عَلَيْهِمْ} "الوجه الأول ـ قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أرسلناك وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. الوجه الثاني ـ قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب، وإنما كان غيرك، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً".
ونحن نرجح الوجه الأول.
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
"أي: كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات".
{وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} "أي: لكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس".