وفي هذا دليل أولاً: على مدى ما كان يلاقيه المؤمنون من إيذاء الكافرين ، ثانياً: دليل على الطاعة الواعية للزوج ، فقد آثرت الخروج مع زوجها لا عِشْقاً له ، ولا هياماً به ، إنما فراراً معه بدينها ؛ لذلك لما تنصَّر لم تتردد في تركه ؛ لذلك طلبها رسول الله لنفسه ، ثم لما مات النجاشي صلى عليه رسول الله وترحَّم عليه . هذه هي هجرة الإيمان إلى دار الأمن .
ثم كانت الهجرة بعد ذلك إلى دار الإيمان ، إلى المدينة ، بعد بيعة العقبة الأولى والثانية ، وبعد أن وجد رسول الله أنصاراً يتحملون معه أعباء الدعوة ، وقد ضرب الأنصار في المدينة أروع مَثَل في التضحية التي ليس لها مثيل في تاريخ البشرية .
ذلك أن الرجل أغير ما يكون على زوجته ، فلا يضِنّ على غيره بما يملك ، فتعطيني سيارتك أركبها ، أو بيتك أسكن فيه ، أو ثوبك ألبسه ، وأتقمَّش به ، أما الزوجة فتظل مصونة لا يجرؤ أحد على النظر إليها .
لكن كان للأنصار في هذه المسألة نظرة أخرى حين أشركوا إخوانهم المهاجرين في كل شيء حتى في زوجاتهم ، فقد راعوا فيهم خروجهم من أهلهم وبلادهم ، وراعوا غربتهم وما لهم من إرْبة وحاجة النساء .
فكان الواحد منهم يقول لأخيه: انظر إلى زوجاتي ، فأيتهنّ أعجبتك أُطلِّقها ، وتتزوجها أنت ، هذه تضحية لا نجد لها مثيلاً في تاريخ الناس حتى عند الكفرة .
ثم أُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة ، فخرج خُفْية في حين خرج عمر مثلاً جهراً وعلانية ، حتى إنه وقف ينادي في أهل مكة بأعلى صوته يتحدى أهلها عند خروجه: مَنْ أراد أنْ تثكله أمه ، أو ييُتم ولده ، أو تُرمَّل زوجته فليلْقني خلف هذا الوادي .