أما رسول الله فقد خرج خُفْية ، وهذه المسألة يقف عندها البعض أو تَخْفي عليه الحكمة منها ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً أُسْوة للضعيف ، أما القوي فلا يحتاج إلى حماية أحد ، ولا عليه إنْ خرج علانية ؛ لذلك لا يستحي أحد أن يتخفى كما تخفى رسول الله .
ثم إنك حين تتأمل: نعم خرج رسول الله خُفْية لكنها خُفْية التحدي ، فقد خرج من بين فتيانهم المتربصين به ، وعفَّر وجوههم بالتراب ، وهو يقول:"شاهت الوجوه".
ومع ذلك لم يمنعه تأييد الله له أنْ يأخذ بأسباب النجاة ، فخالف الطريق ؛ لأن كفار مكة كانوا يعرفون أن وجهته المدينة لما عقد بيعة العقبة مع الأنصار ؛ لذلك ترصدوا له على طريقها ، وأرسلوا العيون للبحث عنه ، وجعلوا جُعْلاً لمن يأتيهم به صلى الله عليه وسلم .
والمتأمل في حادث الهجرة يجد أنها خطة محكمة تراعي كل جوانب الموقف ، كأن الله تعالى يريد أنْ يُعلِّمنا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ نهمل الأسباب ، وألاَّ نتصادم مع الواقع ما دُمْنا قادرين على ذلك .
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وهي بلده ، وأحب البلاد إلى قلبه قال:"اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليَّ ، فأسكنِّي أحب البلاد إليك".
لذلك إنْ كانت مكةُ محبوبةً لرسول الله ، فالمدينة محبوبة لله ؛ لذلك بعد أن خرج رسول الله من مكة وقارب المدينة حَنَّ قلبه إلى مكة ، فطمأنه ربه بهذه الآية: {إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ...} [القصص: 85] .