وأخرج عنه ابن مردويه أنه قال: لما نزلت {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} [آل عمران: 185] قيل يا رسول الله فما بال الملائكة؟ فنزلت: {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله تعالى وبريته من الطير والوحوش والسباع والأنعام وكل ذي روح أنه هالك ميت ، وأنت تعلم أن تخصيص الشيء بالحي الموجود في الدنيا لا بد له من قرينة فإن اعتبر كونه محكوماً عليه بالهلاك حيث شاع استعماله في الموت وهو إنما يكون في الدنيا قرينة فذاك وإلا فهو كما ترى ، ومن الناس من التزم ما يقتضيه ظاهر العموم من أنه كل ما يوجد في وقت من الأوقات في الدنيا والأخرى يصير هالكاً بعد وجوده بناءً على تجدد الجواهر وعدم بقاء شيء منها زمانين كالإعراض عند الأشعري ، ولا يخفى بطلانه ، وإن ذهب إلى ذلك بعض أكابر الصوفية قدست أسرارهم.
وقال سفيان الثوري: وجهه تعالى العمل الصالح الذي توجه به إليه عز وجل ، فقيل: في توجيه الاستثناء إن العمل المذكور قد كان في حيز العدم فلما فعله العبد ممتثلاً أمره تعالى أبقاه جل شأنه له إلى أن يجازيه عليه أو أنه بالقبول صار غير قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو باق ، وروي عن أبي عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه أنه ارتضى نحو ذلك ، وقال المعنى كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به وجهه تعالى ، وزعم الخفاجي أن هذا كلام ظاهري.
وقال أبو عبيدة: المراد بالوجه جاهه تعالى الذي جعله في الناس وهو كما ترى لا وجه له ، والسلف يقولون الوجه صفة نثبتها لله تعالى ولا نشتغل بكيفيتها ولا بتأويلها بعد تنزيهه عز وجل عن الجارحة {لَهُ الحكم} أي القضاء النافذ في الخلق {وَإِلَيْهِ} عز وجل {تُرْجَعُونَ} عند البعث للجزاء بالحق والعدل لا إلى غيره تعالى ورجوع العباد إليه تعالى عند الصوفية أهل الوحدة بمعنى ما وراء طور العقل.