{أَنَا آتِيكَ بِهِ} أي: بعرشها {قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} ؛ أي: من مجلسك للحكومة بين الناس، وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم. وقيل: المعنى قبل أن تستوي من جلوسك قائمًا. وقوله: {آتِيكَ} : فعل مضارع، أصله: أأتيك بهمزتين، فأبدلت الثانية ألفًا، وكذا في الموضع الآتي. وقيل: هو اسم فاعل، وهو الإنسب لمقام ادعاء الإتيان بلا محالة، وأوفق بما عطف عليه من الجملة الاسمية؛ أي: أنا آت به في تلك المدة ألبتَّة.
{وَإِنِّي عَلَيْهِ} ؛ أي: على حمله والإتيان به {لَقَوِيٌّ} لا يثفل علي حمله {أَمِينٌ} على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والذهب والفضة، لا أغيره ولا أبدله بغيره، والمعنى أنه سيأتي بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكومة بين الناس.
40 -ولما قال سليمان عليه السلام: أريد أسرع من هذا {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} وهو آصف بن برخيا بن خالة سليمان، وكان وزيره وكاتبه ومؤدبه في حال صغره، وكان رجلًا صديقًا يقرأ الكتب الإلهية، ويعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وقد خلقه الله لنصرة سليمان ونفاذ أمره.
فالمراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة على موسى وإبراهيم وغيرهما، أو اللوح المحفوظ وأسراره المكنونة. قال ابن عطية: وقالت فرقة: هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت، كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال له تحقيرًا له: {أَنَا آتِيكَ بِهِ} ؛ أي: بعرشها {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ} ويرجع {إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ؛ أي: بصرك مما نظرت إليه يعني أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.
والمعنى على هذا القول الأخير؛ أي: قال سليمان للعفريت محدثًا بنعمة الله وعظيم فضله عليه: أنا أفعل ما لا تستطيع أنت، أنا أحضره في أقصر ما يكون مدة، أنا أحضره قبل ارتداد طرفك إليك، وقد كان كما قال. وقال المعتزلة: هو جبريل؛ وذلك لأنهم لا يرون كرامة الأولياء، وقيل: الخضر، والأول أولى، وقيل: غير ذلك مما لا أصل له. والله أعلم.