فالآية جمعتْ أمر المؤمن كله ، بداية من العقيدة والإيمان بالله ، ثم الصلاة ، فالزكاة وهما المطلبان العمليان بين إيمانين: الإيمان الأول بالله ، والآخر أنْ يؤمن بالآخرة وبالجزاء والمرجع والمصير .
وقوله {يُوقِنُونَ} [النمل: 3] الإيقان: الحكم بثبات الشيء بدون توهُّم شكٍّ ؛ لذلك قلنا: إن العلم أنْ تعرف قضية واقعة وتقول ، إنها صدق وتُدلِّل عليها .
وقلنا: إن اليقين درجات ؛ علم اليقين ، وعين اليقين ، وحقُّ اليقين ، فمثلاً حين أقول لك: إنني رأيتُ في أحد البلاد أصبع الموز نصف متر ، وأن تثق فيَّ ولا تكذبني ، فهذا علم يقين ، فإنْ رأيته ، فهذا عَيْن اليقين ، فإن أخذته وذهبتَ تقطعه مثلاً ، وتوزعه على الحاضرين فهذا حقُّ اليقين . وهذه الدرجة لا يمكن أن يتسرَّب إليها شكٌّ .
لذلك لما"سأل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الحارث بن مالك الأنصاري:"كيف أصبحتَ"؟ قال: أصبحتُ بالله مؤمناً حقاً ، قال"فإنّ لكل حَقِّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك؟"قال: عزفَتْ نفسي عن الدنيا ، فاستوى عندي ذهبها ومدرها ، كأنِّي أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون ، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"عرفت فالزم"."
والإمام على رضي الله عنه يعطينا صفة اليقين في قوله: لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً ؛ لأني صدقت بما قال الله ، وليست عيني أصدق عندي من الله .
ومن هذا اليقين ما ذكرنا في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل} [الفيل: 1] مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وُلِد في هذا العام ، فلم يَرَ هذه الحادثة ، فالمعنى: ألم تعلم ، وعدل عن (تعلم) إلى (ترى) ليقول النبي صلى الله عليه وسلم أن إخبار الله لك أقوى صِدْقاً من رؤية عينيك .
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)