هؤلاء في مقابل الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ؛ لأن الحق تبارك وتعالى يعرض الشيء ومقابله لنُجري نحن مقارنة بين المتقابلات ، وفي هؤلاء يقول تعالى: {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} [النمل: 4] .
ولم يَنْفِ عنهم إقامة الصلاة أو إيتاء الزكاة ، لماذا؟ لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالله ، ولا بالبعث والحساب ، ولو علموا أنهم سيرجعون إلى الله لآمنوا به ، ولَقدَّموا العمل الصالح .
ومعنى {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل: 4] أن الذين لا يؤمنون بالله ، ولا يؤمنون بالآخرة ، ولا يُؤدُّون مطلوبات الإيمان لا عُذْرَ لهم ؛ لأننا حينما عرضنا الإيمان ومطلوباته عرضناه عَرْضاً جيداً مُستميلاً مُشوِّقاً وزيَّناه لكم .
فالصلاة لقاء بينك وبين ربك يعبر عن دوام الولاء ، ويعطيك شحنة إيمانية ، والزكاة تُؤمِّنك حين ضعفك وعدم قدرتك ، فنأخذ منك وأنت غني لنعطيك إنْ حَلَّ بك الفقر ، ولما نهيناك عن الكذب نهينا الناس جميعاً أن يكذبوا عليك ، ولما حذَّرناك من الرشوة قلنا للآخرين: لا تأكلوا ماله دون وَجْه حقٍّ . . إلخ .
وهكذا شرحنا التكاليف وبيَّنا الحكمة منها ، وحبّبناها إليكم .
أو: يكون المعنى: زيّنّا لهم أعمالهم التي يعملونها ، فلما عَلم الله عشْقهم للضلال وللانحراف ختم على قلوبهم ، يقول تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} [فاطر: 8] .
لكن مَنِ الذي زيَّن لهم: {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ} [النحل: 63] فالتزيين يأتي مرة من الشيطان ، ومرة مجهول الفاعل ، ومرة زيَّن الله لهم .
ومن تزيين الله قوله تعالى في شأن فرعون: {وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس: 88] فلما أعطاهم الله النعمة فُتِنوا بها .