وإبليس خلقه الله ، وجعل له ذرية تتسلَّط على الناس ، وتُغْويهم ، وما ذلك إلا للاختبار ليرى مَنْ سيقف على هذه الأبواب ، إذن: الحق تبارك وتعالى لم يجعل حواجز عن المعصية ، وجعل لكم دوافع على الطاعة ، فالمسألة منك أنتَ ، فإنْ رأيتُك مِلْتَ إلى شيء وأحببته أعنْتُكَ عليه .
والذي يموت له عزيز ، أو المرأة التي يموت ولدها ، فتظل حزينة عليه تُكدِّر حياتها وحياة مَنْ حولها ويا ليت هذا يفيد أو يُعيد الميت ونقول لمن يستقبل قضاء الله بهذا السُّخْط: إن ربك حين يعلم أنك أَلِفْتَ الحزن وعشقْته وهو رب ، فلا بُدَّ أن يعطيك مطلوبك ، ويفتح عَليك كل يوم باباً من أبوابه .
إذن: ينبغي على مَنْ يتعرَّض لمثل هذا البلاء أنْ يستقبله بالرضا ، وإنْ يغلق باب الحزن ، ولا يتركه موارباً .
ومن التزيين قوله سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] .
ومعنى {يَعْمَهُونَ} [النمل: 4] يتحيرون ويضطربون ، لا يعرفون أين يذهبون؟
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5)
أي: العذاب السيء ، وهذا في الآخرة ، فبالإضافة إلى ما حدث لهم من تقتيل في بدر ، وهزيمة كسرتْ شوكتهم فلم ينته الأمر عند هذا الحد ، إنما هناك خسارة أخرى في الآخرة {وَهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون} [النمل: 5] .
والأخسر مبالغة في الخسران ، فلم يَقُلْ: خاسر إنما أخسر ؛ لأنه خسر النعيم ؛ لأنه لم يُقدِّم صالحاً في الدنيا ، وليته ظل بلا نعيم وتُرِكَ في حاله ، إنما يأتيه العذاب الذي يسوؤه ؛ لذلك قال تعالى {هُمُ الأخسرون} [النمل: 5] لأنهم لم يدخلوا الجنة ، وهذه خسارة ، ثم هم في النار ، وهذه خسارة أخرى .
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)