ومن ذلك ما قاله معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس: يا أحنف لماذا لا تسبّ علياً على المنبر كما يسبّه الناس؟ فقال الأحنف: اعفني يا أمير المؤمنين ، فقال معاوية: عزمتُ عليك إلاَّ فعلْتَ ، فقال: أما وقد عزمت عليَّ فسأصعد المنبر ، ولكني سأقول للناس: إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أنْ ألعنَ علياً ، فقولوا معي: لعنه الله . عندها قال معاوية: لا يا أحنفُ ، لا تقل شيئاً .
لماذا؟ لأن اللعن في هذه الحالة سيعود على مَنْ؟ على معاوية أو عَلَى عَلِيّ؟
وتُحكَي قصة الخيّاط الأعور الذي خاط لأحد الشعراء جُبَّة فجاءت وأَحَد الكُمَّيْن أطول من الآخر ، فلم يستطع لبسها ، فلما سألوه عن عدم لُبْس الجبة الجديدة أخبرهم بما حدث من الخياط فقالوا: أُهْجه ، فقال:
قُلْت شِعْراً لَيْس يُدْرَى ... أَمديحٌ أَمْ هِجَاءُ
خَاطَ لِي عَمْروا قُباء ... لَيْتَ عينيه سَوَاءُ
فالكلام يحتمل المعنيين: الدعاء له ، والدعاء عليه . هذا هو الرد الدبلوماسي الذي يهرب به صاحبه من المواجهة .
وكذلك قالتْ بلقيس جواباً دبلوماسياً {كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 42] أما {وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل: 42] فيحتمل أنْ يكون امتداداً لقوْل بلقيس ، يعني: أوتينا العلم من قبل هذه الحادثة ، وعرفنا أنك نبيّ لما رددتَ إلينا الهدية ، وقلت ما قلت ، فلم نكُنْ في حاجة إلى مثل هذه الحادثة لنعلم نُبوّتك .
ويُحتمل أنها من كلام سليمان عليه السلام .
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)
المعنى: صدَّها ما فعل سليمان من أحداث ، وما أظهر لها من آيات ، صدَّها عن الكفر الذي أَلِفَتْه {إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: 43] فصدَّها سليمان بما فعل عما كانت تعبد من دون الله .