فقال له سليمان: أين كنت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذاباً شديداً أو لأذبحنك.
فقال له الهدهد: يا نبيّ الله! اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك.
فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه.
وقال عكرمة: إنما صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارّاً بوالديه؛ ينقل الطعام إليهما فيزقهما.
ثم قال له سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدّم بيانه.
قال الماوردي: والقول بأن أمّ بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، وتفارق الحسَّين؛ لأن الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف.
قلت: قد مضى القول في هذا، والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك، وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدّم بيانه، ولا بعد في ذلك؛ والله أعلم.
وفي التنزيل {وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد} [الإسراء: 64] وقد تقدّم.
وقال تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 56] على ما يأتي في"الرحمن".
قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أي بالشرك الذي كانت عليه؛ قاله ابن شجرة.
وقال سفيان: أي بالظن الذي توهمته في سليمان؛ لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة، وأن سليمان يريد تغريقها فيه.
فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن.
وكسرت {إن} لأنها مبتدأة بعد القول.
ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول.
{وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين} .
إذا سكنت {مع} فهي حرف جاء لمعنى بِلا اختلاف بين النحويين.
وإذا فتحها ففيها قولان: أحدهما: أنه بمعنى الظرف اسم.
والآخر: أنه حرف خافض مبني على الفتح؛ قاله النحاس]. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 13 صـ}