وهل يملك تعبير الرؤيا إلا فطِن؟ وهل يحسن العبور بها من شاطئ الغموض إلى الوضوح إلا الفَهِم؟ ثم هل ينتقل من صورتها النفسية الغامضة أو الشاحبة إلى صورتها الحسية المشرقة إلا مُبين!
فليست اللام إذاً مبينة أو مقوية ولا زائدة وإنما هي صلة لفعل (بيّن وفطن) وليس تقديم الرؤيا على فعلها إلا لتوفير الإيقاع الرخيّ في الأداء التعبيري والجرس الموسيقي، فتنزّه في رياض التضمين لتجنيَ قُطوفا زكيّة وشهيَّة يخضرّ فيها اللفظ فيرمي ظلاله وثماره.
هو التضمين لا يزالُ مُرتادا ... هي الرؤيا على شطيه أصنافا
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) (72)
قال المبرد: في قوله: ردف لكم، معناها ردفكم، وذهب بعضهم إلى أن أصل ردف التعدي، بمعنى لحق وتبع، فاحتمل أن يكون مضمنا معنى اللام، قال أبو حيان: ولذلك فسره ابن عباس: يقرب لما كان يجيء بعد الشيء قريب منه ضمن معناه أو زيدت اللام في مفعوله لتأكيد وصول الفعل إليه كما زيدت الباء في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال الزمخشري وقد عُدي بمن على سبيل التضمين لما يتعدى بها قال الشاعر:
فلما ردفنا من عمير وصحبه ... تولى سِراعا والمنيةُ تُعْنِقُ
أي دنوا من عمير وقيل: ردفه وردف له لغتان. وذكر العكبري مثل ذلك أي دَنَوْا من عمير.
وذكر الزمخشري: قيل لهم عسى أن يكون ردفكم بعضه هو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم ومعناه تبعكم ولحقكم.
ومثله البيضاوي وذكر الجمل: وجوها أظهرها أن ردف ضمن معنى فعل يتعدى باللام أي دنا وقرب.