ويزيد وضوحا قوله سبحانه: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) أي أشرفوا على القرية في طريقهم إلى الشام وأَشفَوا عليها، وهذا مما يستدل به على معناه وينقاد على وتيرته.
إذا اشتبهت على اللفظ المعاني ... يُخبِّر عن دلالته البصيرُ
(يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ(43)
قال الزمخشري: واللام (للرؤيا) إما أن تكون للبيان، وإما مقوية للعمل فقصد بها كما يقصد بها اسم الفاعل لانحطاطه عن الفعل في القوة، أو يضمن تعبرون معنى فعل يتعدى باللام: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا.
وقال أبو حيان: واللام في الرؤيا مقوية لوصول الفعل إلى مفعوله إذا تقدم عليه، فلو تأخر لم يحسن. بخلاف اسم الفاعل. ثم نقل عن الزمخشري ما أجازه من الوجوه المتكلفة. وذكر الجمل: للرؤيا فيه أوجه: أحدها: أن تكون اللام مزيدة، زيدت لتقدم المعمول، مقوية للعامل.
الثاني: أن يضمن تعبرون: تُنتدبون لعبارة الرؤيا.
الثالث: أن تكون (للرؤيا) خبر كنتم كما تقول: فلانا لهذا الأمر إذا كان متمكنا منه. اهـ.
وقال الزجاج: هذه اللام أُدخلت على المفعول للتبيين وتسمى لام التعقيب لأنها عقبت الإضافة.
وقال المرادي: اللام الزائدة مع المفعول به إذا ضعف بتأخيره فزيادتها مقيسة لأنها مقوية للعامل.
وقال الزركشي: واللام للتعدية تعدي العامل إذا عجز، لأن الفعل يضعف بتقديم مفعوله عليه.
وقال البروسوي: إن هذه اللام لم تذكر في بحث اللامات في كتب النحو ثم ذكر أقوال صاحب الجمل الآنفة.
أقول: لعل تضمين عبَّر معنى (فِطن وبيَّن) والمتعديان باللام يصرفنا
عن وجوه متكلفة، ذهب إليها المفسرون، إلى الوجه الذي هو أضْوأ لها وأنْوَه.
فالملك رأى رؤيا هالتْه، ولعله توهّم خطرها على عرشه، ولولا تحفيه بها لما استعبرها
سأل الملأ من حوله من الحكماء والعلماء والكهنة عن من يجيد عبارتها، أو يبين له رموزها، لكنها أعضلت عليهم، فلم يكونوا لتأويلها بنحارير، ولا لرؤياه بعالمين، أو أنهم أحسُّوا بسوءٍ فيها يُصيبه فرغبوا عن مواجهته.
ولو قيل: ما الصلة بين المضمن والمضمن فيه؟ لقلت: أليس التعبير للرؤيا هو تبيين لحقيقتها وما تؤول إليه؟ كذلك الفطانة هي الحذق والمهارة في توضيح غامضها وبيان جليتها.