وقوله: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] يدل على أن هذا العفريت يعلم فخامة هذا العرش وضخامته ، وأنه شيء نفيس يستحق الاعتناء به ، خاصة في عملية نقله ؛ لذلك قال من ناحية كبره وضخامته"فأنا عليه قوي"قادر على حَمْله ، ومن ناحية نفاسته وفخامته ، فأنا عليه أمين لن أُبدِّد منه شيئاً .
ثم تكلَّم آخر لم يُحدِّده القرآن إلا بالوصف: {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ}
الطرف: الجِفْن الأعلى للعين .
تكلم العلماء في هذه الآية: أولاً: قالوا {الكتاب} [النمل: 40] يُراد به اللوح المحفوظ ، يُعلم الله تعالى بعض خَلْقه أسراراً من اللوح المحفوظ ، أما الذي عنده علم من الكتاب فقالوا: هو آصف بن برخيا ، وكان رجلاً صالحاً أطلعه الله على أسرار الكون .
وقال آخرون: بل هو سليمان عليه السلام ، لما قال له العفريت {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} [النمل: 39] قال هو: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] لأنه لو كان شخصاً آخر لكان له تفوُّق على سليمان في معرفة الكتاب .
لكن رَدُّوا عليهم بأن من عظمة سليمان أنْ يعلمَ أحد رعيته هذا العلم ، فمَنْ عنده علم من الكتاب بحيث يأتي بالعرش قبل طَرْفة عين هو خادم في مملكة سليمان ومُسخر له ، كما أن المزايا لا تقتضي الأفضلية ، وليس شَرْطاً في المِلك أنْ يعرف كل شيء ، وإلا لَقُلْنا للمِلك: تَعَال أصلح لنا دورة المياه .
أما نحن فنميل إلى أنه سليمان عليه السلام .
وفَرْق كبير في القدرات بين مَنْ يأتي بالعرش قبل أن يقوم الملك من مجلسه ، وبين مَنْ يأتي به في طَرْفة عين ، ونَقْل العرش من مملكة بلقيس إلى مملكة سليمان يحتاج إلى وقت وإلى قوة .