وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ {قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِيَ مُسْتَسْلِمِينَ طَوْعًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ الْإِسْلَامَ الَّذِي هُوَ دَيْنُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:" {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ فَيَمْنَعُهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، يَعْنِي: الْإِسْلَامُ يَمْنَعُهُمْ" [1] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ خَصَّ سُلَيْمَانُ بِسُؤَالِهِ الْمَلَأَ مِنْ جُنْدِهِ بِإِحْضَارِهِ عَرْشَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ دُونَ سَائِرِ مُلْكِهَا عِنْدَنَا، لِيَجْعَلَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهَا فِي نُبُوَّتِهِ، وَيُعَرِّفُهَا بِذَلِكَ قُدْرَةَ اللَّهِ وَعَظِيمَ شَأْنِهِ، أَنَّهَا خَلَّفَتْهُ فِي بَيْتٍ فِي جَوْفِ أَبْيَاتٍ بَعْضُهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، مُغْلَقٌ مُقْفَلٌ عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، بِغَيْرِ فَتْحِ إِغْلَاقٍ وَأَقْفَالٍ، حَتَّى أَوْصَلَهُ إِلَى وَلِيِّهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ عَلَى حَقِيقَةِ مَا دَعَاهَا إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ، وَعَلَى صِدْقِ سُلَيْمَانَ فِيمَا أَعْلَمَهَا مِنْ نُبُوَّتِهِ.
فَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ {قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} بِتَأْوِيلِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ طَائِعِينَ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَأْتِ سُلَيْمَانَ إِذْ أَتَتْهُ مُسْلِمَةً، وَإِنَّمَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَقْدَمِهَا عَلَيْهِ وَبَعْدَ مُحَاوَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُمَا وَمُسَاءَلَةٍ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ رَئِيسٌ مِنَ الْجِنِّ مَارِدٌ قَوِيُّ.
وَلِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَانِ: عِفْرِيتٌ، وَعِفْرِيَةٌ؛ فَمَنْ قَالَ: عِفْرِيَةٌ، جَمَعَهُ: عَفَارِي؛ وَمَنْ قَالَ: عِفْرِيتٌ، جَمَعَهُ: عَفَارِيتُ.
عَنْ مَعْمَرٍ:" {قَالَ عِفْرِيتٌ} قَالَ: دَاهِيَةٌ"
عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَائِيِّ، قَالَ:"الْعِفْرِيتُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ اسْمُهُ: كَوْزَنُ" [2]
[1] يقول ابن القماش:
(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) تقدم رد هذا القول السخيف.
[2] أقول: يفتقر إلى سند صحيح، ولا يتعلق بمعرفة اسمه كبير فائدة، والله أعلم.