أي: قال منكرًا لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه، وكثرة أمواله: أتساعدونني وتكرمونني بمال حقير، فما آتاني الله من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته، ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم، فقال؛ {بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ} ؛ أي: بما يهدى إليكم من الأموال. فالمضاف إليه ضمير المهدي إليه {تَفْرَحُونَ} حبًا لزيادة المال وكثرته لما أنكم لا تعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، توبيخًا لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء، وأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدًا من العالمين، ومع ذلك أكرمني بالنّبوة. والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزدراء بهم والحط عليهم.
وفي"الإرشاد": إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه افتخارًا وامتنانًا، واعتدادًا بها، كما ينبئ عنه ما ذكر من حديث الحقة والجزعة وتغيير زي الغلمان والجواري وغير ذلك. انتهى.
يقول الفقير: إنهم لما رأوا ما أنعم الله به على سليمان من الملك الكبير .. استقلوا بما عندهم حتى هموا بطرح اللبنات، إلا أنه منعتهم الأمانة من ذلك، فكيف امتنوا على سليمان بهديتهم، وافتخروا على أن حديث الحقة ونحوه إنما كان على وجه الامتحان لا بطريق الهدية كما عرف.
وفي"التأويلات"يشير إلى أن الهدية موجبة لاستمالة القلوب، ولكن أهل الدين لما عارضهم أمر ديني في مقابلة منافع كثيرة دنيوية .. رجحوا طرف الدين على طرف المنافع الكثيرة الدنيوية، واستقلوا كثرتها؛ لأنها فانية، واستكبروا قليلًا من أمور الدين؛ لأنها باقية، كما فعل سليمان لما جاءه الرسول بالهدية .. استغل كثرتها، وقال: فما آتاني الله من كمالات الدين والقربات والدرجات الأخروية خير مما آتاكم من الدنيا وزخارفها. {بَلْ أَنْتُمْ} : أمثالكم من أهل الدنيا بمثل هديتكم الدنيوية الفانية تفرحون؛ لخسة نفوسكم، وجهلكم عن السعادات الأخروية الباقية.