وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف ، وقالت: إن كان نبياً فسيعلم الذكور من الإناث ؛ فأمرهم فتوضؤوا ؛ فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفّه قال هو من الإناث ، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور ؛ ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال: أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها ، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها ، ثم رد سليمان الهدية ؛ فروي أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما شاهد ؛ قالت لقومها: هذا أمر من السماء.
الثانية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثبت عليها ولا يقبل الصدقة ، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردّها علامة على ما في نفسها ؛ على ما ذكرناه من كون سليمان ملكاً أو نبياً ؛ لأنه قال لها في كتابه: {أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وهذا لا تقبل فيه فدية ، ولا يؤخذ عنه هدية ، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل ، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل ، وهي الرشوة التي لا تحل.
وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال ، وهذا ما لم يكن من مشرك.
الثالثة: فإن كانت من مشرك ففي الحديث:"نُهِيت عن زَبْد المشركين"يعني رِفدهم وعطاياهم.
وروي عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور بن زيد الدِّيليّ وغيره ، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما ، وقال آخرون ؛ ليس فيها ناسخ ولا منسوخ ، والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام ، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام ، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملاً على الكفّ عنه ؛ وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا ؛ فإنه جمع بين الأحاديث.
وقيل غير هذا.