ونحن نقول: إن صَحَّت هذه الفراسة عن الهدهد، فذاك شأْن آخر يختلف عن وقوعه حبيسًا في الفخ، فإن فراسته بحسب تكوين الله لا تمتد لإِدراك الغيب الذي كتبه الله عليه، فإنه مستقبل، أَما الماءُ فهو موجود تحت الأرض وإن كان خفيًّا، والموجود يدرك بالإِحساس الداخلي لبعض الحيوانات، كالكلاب تدرك الزلازل بأَسباب تحسها داخليًّا، ولكنها لا تدري أن الطعام الذي قدمه الصياد لها مسموم ليقتلها به، وبالجملة فمناهج التكوين الإِلهي لخليقته عجيبة، فسبحان الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى.
ومعنى الآية: ونظر سليمان - عليه السلام - إلى جنوده من الطير، ليتعرف ما حضر منها وما غاب دون استئذان منه، فلم ير الهدهد في جملة الطير التي تظله وتعلوه، فقال: ما الذي جعلني لا آراه؟ أهو موجود بين أنواع الطير ولكنى لا أراه؟ ثم لاح له أَنه غائب فقال متسائلا: بل أكان من الغائبين، ولما تحقق له غيابه توعده. قائلا:
21 - {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} :
أي: لأُعذبنه على غيابه دون استئذان مني عذابًا شديدًا، بنحو نتف ريشه وتجويعه، أَو لأَذبحنه أو ليأْتينى بحجة قوية مبينة لعذره في تغيبه عن مكانه بين سائر أنواع الطير.
وإتيانه بسلطان مبين ليس من جملة المحلوف عليه، فقد حلف على عقابه بالتعذيب أو الذبح، أما قوله: أو ليأْتينى بسلطان مبين، فهو في قوة الاستثناء، فكأَنه قال: إلاَّ أَن يأْتينى بسلطان مبين فلا أُعذبه ولا أَذبحه؛ لأن سليمان لا يقسم على فعل الهدهد، قال الآلوسي: إن هذا الشق ليس مقسمًا عليه في الحقيقة، وإنما المقسم عليه الأَولان، وأُدخل هذا في سلكهما للتقابل، وهذا - كما في الكشف - نوع من التَّغْليب لطيف المسلك، ومآل كلامه - عليه السلام: ليكونن أَحد الأُمور الثلاثة: على معنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أَحدهما، فأَوْفى الموضعين للترديد: انتهى كلام الآلوسي.
22 - {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} :