وقيل له: ألق عصاك ، لتكون الجملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها ، كأنه يرى في العطف تناسب المتعاطفين ، والصحيح أنه لا يشترط ذلك ، بل قوله: {وألق عصاك} معطوف على قوله: {إنه أنا العزيز الحكيم} ، عطف جملة الأمر على جملة الخبر.
وقد أجاز سيبويه: جاء زيد ومن عمرو.
{فلما رآها تهتز} : ثم محذوف تقديره: فألقاها من يده.
وقرأ الحسن ، والزهري ، وعمرو بن عبيد: جأن ، بهمزة مكان الألف ، كأنه فر من التقاء الساكنين ؛ وقد تقدم الكلام في نحو ذلك في قوله: ولا الضألين ، بالهمز في قراءة عمرو بن عبيد.
وجاء: {فإذا هي حية} {فإذا هي ثعبان مبين} وهذا إخبار من الله بانقلابها وتغيير أوصافها وإعراضها ، وليس إعداماً لذاتها وخلقها لحية وثعبان ، بل ذلك من تغيير الصفات لا تغيير الذات.
وهنا شبهها حالة اهتزازها بالجان ، فقيل: وهو صغار الحيات ، شبهها بها في سرعة اضطرابها وحركتها ، مع عظم جثتها.
ولما رأى موسى هذا الأمر الهائل ، {ولى مدبراً ولم يعقب} .
قال مجاهد: ولم يرجع.
وقال السدّي: لم يمكث.
وقال قتادة: ولم يلتفت ، يقال: عقب الرجل: توجه إلى شيء كان ولى عنه ، كأنه انصرف على عقبيه ، ومنه: عقب المقاتل ، إذا كر بعد الفرار.
قال الشاعر:
فما عقبوا إذ قيل هل من معقب ...
ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا
ولحقه ما لحق طبع البشرية إذا رأى الإنسان أمراً هائلاً جداً ، وهو رؤية انقلاب العصا حية تسعى ، ولم يتقدمه في ذلك تطمين إليه عند رؤيتها.
قال الزمخشري: وإنما رغب لظنه أن ذلك لأمرٍ أريد به ، ويدل عليه: {إني لا يخاف لديّ المرسلون} . انتهى.
وقال ابن عطية: وناداه الله تعالى مؤنساً ومقوياً على الأمر: {يا موسى لا تخف} ، فإن رسلي الذين اصطفيتم للنبوة لا يخافون غيري.
فأخذ موسى عليه السلام الحية ، فرجعت عصا ، ثم صارت له عادة. انتهى.