ثم حكى كتاب الله ما قام به سليمان من البحث عن الطائر المسمى بالهدهد، حيث أنه لم تقع عينه عليه، فلم يدر هل هو حاضر أم غائب {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} ثم تساءل سليمان فيما إذا كان الهدهد غائبا هل تغيب من تلقاء نفسه في مهمة ولعذر مقبول، أم إنما ذلك منه مجرد غفلة وإهمال، حتى إذا لم يكن لغيبته مبرر عاقبه العقاب اللائق، وذلك قول سليمان فيما حكاه عنه كتاب الله: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} وقد سأل ابن عباس عبد الله بن سلام:"لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير. فقال له: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه، وكان الهدهد يعرف ذلك دون غيره من الطير فتفقده". لكن سليمان لم يلبث إلا قليلا حتى أقبل عليه الهدهد رافع الرأس، مفتخرا بأن عنده من العلم ما ليس عند سليمان، وأنه حمل إليه خبرا يعد في بابه اكتشافا مهما جديرا بالنظر والإمعان {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} قال جار الله الزمخشري:"ألهم الله الهدهد فكافح سليمان أي واجهه بهذا الكلام، على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة، والعلوم الجمة، ابتلاء له في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من"
أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب، الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة"."
ومضى الهدهد يعرض على سليمان الخبر المثير الذي يصف فيه دولة سبأ، مشيرا إلى نظام الحكم القائم في هذه الدولة، وإلى ما هي عليه من ازدهار وتقدم ورخاء، ومصرحا بأن امرأة هي التي تجلس على عرشها العتيد، ومبينا نوع الدين الذي تدين به هي وقومها، وأنه من قبيل الديانة المجوسية، فقال وهو يخاطب سليمان: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .