بل عليه أن يحرِّر النصوص مِن قيود الزَّمان والمكان، والأشخاص والأقوام؛ لتُعطي دلالاتها لكلِّ النَّاس، وتُطلق إشعاعاتِها لكلِّ جيل، وتَنشُر أضواءها على العالَمين، أمَّا قصْر النصوص على حالة أو فترة، أو شخص أو بلدة أو قرن، فإنَّه سيقيِّدُها وسيفْرغها مِن معانيها وأهدافها، وتتحوَّل إلى عبارات فارغة، وكأنَّها تتحدَّث عن فترة من التَّاريخ سابقة لأمَّة من النَّاس ماضية.
فمثلًا: قوله تعالى عن الحاكميَّة:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [المائدة: 44] خاصٌّ عند هؤلاء ببني إسرائيل، وهذا خطأ؛ لأنَّها تَنطبق على كلِّ إنسان أينما كان ومهْما كان، رفَض حكمَ اللهِ طائعًا مختارًا.
وقوله تعالى أيضًا:"أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ" [المائدة: 50] ، فالجاهليَّة عند هؤلاء هي الحالة الَّتي كان عليها العرب قبل الإسلام، والمستوى المتدنِّي مِن الجهل والجهالة، وعدم العِلْم والثَّقافة والحضارة، إنَّ هذا الفهم يُقزِّم الآية ويفرغها من معانيها؛ لأنَّها بهذا تتحدَّث عن أموات مضَوا في سالف الزَّمان، مع أنَّها صالحة لكلِّ زمان، فالجاهليَّة هي كلُّ حالة أو وضْع أو تشريع أو نظام أو مجتمع أو مناهج أو توجيهات، يرفُض أصحابُها الاحتِكامَ فيها إلى شرع الله، ويَقْبَلون أن يحكموا بغيره، فهذه هي الجاهليَّة في أيِّ أناس أو أي زمان، وأهلها جاهلون مهْما بلغ رقيُّهم المادِّيُّ والعِلمي والتكنولوجي والثقافي [9] .
9 -الشعور بأنَّ الآية موجهة له:
وعلى القارئ البصير للقرآن أن يُوقن أنَّه هو المقصود بالآية، وأنَّها تَعْنِيه هو، وتخصُّه هو، وتُخاطبه هو، وتطالبه هو، وتحدِّثه هو ... فإذا قرأها فليفْتح لها أجهزة التلقِّي والاستجابة ليلتزم بما فيها من توجيهات [10] .
هذه كلِمات، وهذه توجيهات، استوقفتْني كثيرًا في حياتي مع القرآن، أردتُ بها إعلاءَ الهِمَم، وتصْحيح الطَّريق، وتذْكير الغافل، بحقِّ هذا الكتاب، ليكُون الشِّعار لكلِّ قارئ:"القرآن كتابي"، وهكذا يكُون التلقِّي للقرآن. انتهى انتهى {القرآن كتابي: هكذا يكون التلقي، للشيخ/ عاطف عبد المعز الفيومي} ...
الهوامش:
[1] ذكره ابن كثير في مقدِّمة التفسير.
[2] معالم في الطريق.
[3] جند الله ثقافة وأخلاقًا (ص 81، 82) .
[4] المصدر السابق (ص 82) .
[5] زاد المعاد لابن القيم (ج 1 /ص 340) .
[6] تذكرة الدُّعاة للبهي الخولي (ص 307) .
[7] نفس المصدر (ص 351) .
[8] جند الله (71) بتصرُّف.
[9] مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح الخالدي.
[10] مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح الخالدي.