هذه هي منزلة القرآن ومكانته، التي جعلها الله تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم بالمحلِّ الأعلى، والمكان الأرْفع، وإذا أمعنَّا النَّظر قليلًا إلى الوراء، حيثُ تاريخ الإسلام وعهْده الأوَّل مِن جيل الصَّحابة رضِي الله عنْهم، وجدْنا أنَّ منهج الصَّحابة في تلقِّي القرآن ومنهجه، وأحكامه وشرائعه، يَختلف تمامًا عن تلقِّي كثيرٍ من المسلمين اليوم لِهذا الكتاب الرَّبَّاني، وطُرُق التَّعامُل معه، ولا أعْني هنا التلقِّي العِلْمي الإسنادي، وإنَّما عَنيتُ: التلقِّي الإيمانيَّ العمَليَّ لهذا الكتاب المنزَّل، قال سيِّد قطب رحمه الله تعالى: (هُناك عاملٌ أساسي آخَر غير اختلاف طبيعة النَّبع، ذلك هو اختلاف منهج التلقِّي عمَّا كان عليه في ذلك الجيل الفريد ... إنَّهم في الجيل الأوَّل لم يكُونوا يقرؤُون القرآنَ بقصْد الثقافة والاطِّلاع، ولا بقصْد التذوُّق والمتاع، لم يكن أحدُهم يَتلقَّى القرآنَ ليَستَكثِر به مِن زاد الثَّقافة لمجرَّد الثَّقافة، ولا لِيُضيف إلى حصيلتِه مِن القضايا العلميَّة والفقهيَّة محصولًا يملأ به جُعْبتَه، إنَّما كان يتلقَّى القرآن ليتلقَّى أمْر الله في خاصَّة شأْنه وشأن الجماعة الَّتي يعيش فيها، وشأن الحياة الَّتي يَحياها هو وجماعتُه، يَتلقَّى ذلك الأمْر لِيَعمل به فوْرَ سماعِه، كما يَتلقَّى الجندي في الميدان"الأمْر اليوميَّ"لِيعمَل به فور تلقِّيه، ومِن ثمَّ لم يكُن أحدُهم لِيَستَكثِر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنَّه كان يحسُّ أنَّه إنَّما يَستَكْثِر مِن واجبات وتكاليف يَجعلها على عاتقه، فكان يكْتَفي بعشْر آياتٍ حتَّى يَحفظَها ويَعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنْه [1] .