قال أمية:
تَبَارَكَ أمْ صِدِّيقُ حَقًّا كانَ مِن كُل عَتِيقَا
خالِقُ الخَلْقِ جَمِيعًا ويعُودُ الخَلْقُ صِيقَا
أي ترابا: والتاء في"تبارك"زائدة على بناء البيت. ومعتدة خزما كالواو في قوله:
وكأنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ في بِجَاد مُزَمَّلِ1
فالواو خَزْم ، وهذا يكاد يسقط حكم ما يُبنَى من الزوائد في الكلم حتى يحسنَ له تحقير الترخيم ، نحو قولهم: في حارث حُرَيْث ، وفي أزهر زُهَيْر. ألا تراه كيف خزم بتاء"تبارك"وإن كانت مصوغة في نفس المثال كما تُخْزَم حروف المعاني المنفصلة من المُثُل ، كواو العطف ، وفائه ، وبل ، وهل ، ويا ، ونحو ذلك؟ ولهذا قالوا أيضا في تكسير فَعَلَان: فِعْلَان ، ككَرَوَان وكِرْوَان ، وشَقَذَان2 وشِقْذان ، فأجروه مجرى فَعَل وفِعْلان ، نحو خَرَب3 وخِرْبان ، وشَبَثٍ4 وشِبْثان ، وبَرَق5 وبِرْقَان. فاعرف ذلك إلى ما يليه من نحوه بمشيئة الله.
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد:"كَأَنَّهَا جَأنٌ"6.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نظير هذا فيما مضى من الكتاب7 ، وذكرناه أيضا في الخصائص8 ، وفي سر الصناعة9 ، وفي المنصف10 ، وفي التمام ، وغيره من مصنفاتنا وإنما كررناه لإعراب القول في معناه.
1 رواه الزوزني في شرحه للمعلقات السبع ، وفيه"كأن"مكان"وكأن". وروي الشطر الأول في الديوان"25":
كان أبانا في أفانين ودقه
وثبير وأبان: جبلان. والعرانين: جمع عرنين ، وهو الأنف أو معظمه ، واستعاره لأوائل المطر ، إذ كانت الأنوف تتقدم الوجوه. والودق: المطر. والبجاد: كساء مخطط. ومزمل: ملفف بالثياب. وخفض"مزمل"على جوار"بجاد". شبه الجبل في جلاله وطرائق المطر عليه بشيخ مزمل في بجاد.
2 الشقذان: الذي لا يكاد ينام.
3 الخرب: ذكر الحبارى ، لطائر.
4 الشبث: العنبكوت ، ودويبة كثيرة الأرجل.
5 البرق: الحمل ، فارسي معرب.
7 انظر الصفحة 147 من الجزء الأول.
8 الخصائص: 3: 126.
9 سر الصناعة: 1: 83.
10 المنصف: 1: 149.